تغير الوجوه أم المنهج هو المطلوب في العراق؟.. مثنى عبد الله

 

تغير الوجوه أم المنهج هو المطلوب في العراق؟

بقلم: مثنى عبد الله

منذ عام 2004 وحتى اليوم تم تداول السلطة في العراق ست حكومات. ولو دققنا النظر في كل حقبة زمنية لكل واحدة من هذه الحكومات، لوجدنا أن كل ما حصل فيها على كل المستويات والصعد، هو استنساخ حرفي لما قبلها. وقد يجهر البعض من المهتمين بالشأن السياسي العراقي بالقول، إن هنالك فرقا بين هذه الحقبة وتلك وهذا الزعيم وذاك، لكن لو رجعنا إلى المقياس الذي اعتمد عليه هؤلاء، لتبين لنا أنه ليس مقدار المتحقق على الأرض كواقع مُنجز، بل مدى القرب مما كان متحققا قبل الاحتلال، في حين أن فترة الاحتلال أطلق عليها تسمية التحرير.

طبعا ليس من الإنصاف ولا من العلمية بمكان أن ننحو إلى هذا الشكل من المقارنات، لأن قياس التطور ليس بلفتة إلى الوراء، بل بقياس المتحقق وفق مؤشر التطور، الذي يحوي أبعادا أساسية، أولها الحاجات الإنسانية، وثانيها الفرص المتاحة، وثالثها الرفاهية. لكن لفداحة الفشل، وهول الكارثة، والأفكار المعطوبة التي يسمعها المواطن ويعيشها كل يوم، بات المقياس الأول، معتمدا من قبل الدارسين في الشأن السياسي العراقي. كذلك أصبح مقياسا من قبل المواطنين أيضا، في آرائهم التي يتحدثون بها إلى القنوات الفضائية، التي تلتقيهم صباح كل يوم في بغداد والمحافظات، من خلال برامج واقعية تلامس حياتهم اليومية. كما أن بعض المواطنين بات يذهب إلى حقبة الحكومات في العهد الملكي وبدايات العهد الجمهوري، للتذكير بما كان متحققا وبات مفتقدا اليوم، أي العودة بالمقارنة إلى ما يقرب التسعين عاما إلى الوراء. بمعنى أن لسان حاله يقول، دعونا نترك ما كان متحققا قبل خمسة عشر عاما أو عشرين عاما، ونعود إلى عقود تسع من السنين، حيث كان فيها العراق دولة ناشئة في بدايات التكوين، وذات موارد محدودة، ومع ذلك كان حال العراقيين فيها أفضل من عام 2019. وهذه دلالة واضحة على مدى اليأس الذي بات يسيطر على النفوس، وعلامة تشير إلى انغلاق أفق الحل على كل الأصعدة في الواقع الحالي.

هنالك فهم خاطئ يروج لأهمية تغيير الوجوه، فيضربون مثلا بأن رئيس الوزراء الأسبق كان أفضل ممن سبقه. حتى أننا سمعنا الكثير عن خصاله بأن انحداره الاجتماعي من المدينة وليس القرية، وأنه يتحدث الإنكليزية ويحمل شهادة عليا من بريطانيا، وأنه سوف يكون المنقذ من كل الكوارث التي يعج بها الواقع العراقي، لكن الرجل جاء وخرج من دون أن يترك بصمة ولو بسيطة على أرض الواقع. قد يقول أنصاره ومؤيدوه بأنه حقق النصر واسترجع محافظات كانت خارج سيطرة الدولة، لكن الواقع يقول ليس هو من حقق ذلك، كانت هنالك إرادة دولية عقدت العزم على ذلك، وتشكل تحالف دولي لهذا الغرض بسبب التهديد الذي تعرضت له أوروبا والولايات المتحدة. واليوم نحن مرة أخرى في الموقف نفسه.

 

هنالك رئيس وزراء جديد قالوا عنه كلاما شبيها لما سبق، هو يتحدث الفرنسية ويحمل شهادة عليا في الاقتصاد من باريس. وهو أول رئيس وزراء يسير على قدميه في الشوارع منذ عام 2003، ويلتقي المواطنين في طريقه ويسلم عليهم. لكن هل هذا هو المطلوب اليوم في العراق؟ أليس هو رئيس وزراء اللحظة الحرجة، التي لم يتفق فيها الشركاء على رئيس وزراء من بينهم، فأتوا به متفاجئا من التكليف؟ ألم يكن الرجل ومازال من الطبقة السياسية نفسها التي تحكم منذ عام 2003 وحتى اليوم؟ أليس هو العاجز حتى اليوم عن إكمال الحقائب الوزارية في حكومته، لأن الفاعلين الحقيقيين مختلفين على من يتولى حقيبة الدفاع وحقيبة الداخلية؟

المشكلة في العراق ليست في الوجوه فالجميع متشابهون، قد يختلف أحدهم عن الاخر في بعض المواصفات الشكلية، فيطبع هذا فترته الرئاسية بطابع الحقد والضغينة، وينظر إلى شعبه بمنظار طائفي مقيت، مُقسّما إياهم إلى معسكرين، معسكر الحسين ومعسكر معاوية، وأن المواطنين المطالبين بالحقوق هم مجرد فقاعة في نظره. بينما للآخر سلوك سياسي شكلي آخر مختلف، يطبع فترته الرئاسية بطابع يخصه هو، ويعكس صفاته الشخصية لا أكثر. وبرهاننا على ذلك هو أن كل من تولى السلطة بعد الاحتلال وحتى اليوم لم يضع حجرا على حجر، ولم يستطع أن يوفر للعراقيين أبسط مستلزمات الحياة، حتى بمستوى ما هو متوفر لدول تعد الافقر من حيث الموارد البشرية والطبيعية، ومرد كل ذلك هو المنهج السياسي القائم، الذي تقوْلب فيه الجميع حتى باتوا غير قادرين على الفكاك منه، لذلك لم نجد على مدى ست حكومات مرّت من هو قادر على وضع خط مشروع واحد للعراقيين جميعا، على أساسه تتم مساواتهم بالحقوق والواجبات وفي الفرص المتاحة. ومازال الإقصاء والتهميش لأسباب سياسية وطائفية هو السيف المسلط على الرقاب، والذي به تُنهب الفرص والحقوق والثروات.

علم السياسة يقول إن السلطة السياسية هي قوة في خدمة فكرة، وأنها تتجه لقيادة المجموع من أجل الصالح العام، وأنها قادرة على خلق انطباع لدى المحكومين بأنها هي من توفر لهم ما يحتاجون إليه من أمن مادي ومعنوي، فإذا كانت السلطة قوة من غير فكرة، وهي تتجه لقيادة المجموع من أجل مصالح فئوية وحزبية وطائفية، وتعجز عن توفير كل ما يحتاجه الناس، فهل من خضوع إرادي لقوانينها وطاعة لقراراتها؟ يقينا لا، وهذا هو سبب الأزمة القاحلة في العراق على مدى أكثر من خمسة عشر عاما. فالكثير من المواطنين باتوا ينظرون إلى الدولة على أنها ليست دولتهم، ولو سألتهم عن السبب يقولون إن الدولة لم تأتهم، عليه فإن العراق وطن بحاجة إلى منهج جديد لا صلة له بما هو قائم لا من بعيد ولا من قريب. ولولا المناهج السياسية المختلفة لما وجدنا انتخابات ولا ديمقراطيات في العالم المتقدم، لقد استحوذ منهج العملية السياسية القائمة في العراق على خمسة عشر عاما من عمر العراق والعراقيين، من دون أن يكون قادرا على إعادة أبسط مستلزم من مستلزمات الحياة إليهم.

إن العراق بحاجة إلى رجال دولة وليس رجال سياسة، لأن الدولة العراقية لم تعد موجودة، هي عبارة عن شكل ومسرح للخلافات والفساد، كما أن تملكها من قبل فئة قليلة أدى إلى رفض أخلاقي لها، وجعلها ليست دولة الكثير من المواطنين على هذه البقعة الجغرافية. وحدهم من هم على مستوى رجال دولة من يعيدون معادلة الدولة والمواطنين على أسس صحيحة.

ـ صحيفة القدس العربي