مؤتمر وارسو.. ما بين الديني والاستراتيجي!.. طلعت رميح

مؤتمر وارسو.. ما بين الديني والاستراتيجي !

بقلم :طلعت رميح

أحدث مؤتمر وارسو - الذى انعقد بحضور 60 دولة –نقلة نوعية في محاولة فهم البعد الإيديولوجي المحرك لإدارة ترامب وتوجهاتها وخططها الاستراتيجية في المنطقة، وفي رؤيتها للتعامل مع أوروبا وروسيا.

لقد ذهبت الولايات المتحدة لعقد هذا المؤتمر وفق رؤى محددة للغاية ولتحقيق أهداف استراتيجية ابعد مما تناولته أجهزة الإعلام بالتركيز؛ تلك الرؤى والأهداف ستحكم خطواتها من الآن فصاعدًا، وبمعنى أدق، أصبحت تلك الرؤى والأهداف والخطط علنية الآن، وهي إن  تحققت، فنحن أمام تغييرات في التحالفات وفي مواجهة توازنات جديدة على صعيد امتلاك عناصر القوة في المنطقة.

في كلمة نائب الرئيس الأمريكي في المؤتمر؛ الإشارات الأشد دقة ووضوحًا عن رؤى وخطط تلك الإدارة. كما ألقت الكلمة مزيدًا من الوضوح في تفسير ما تابعناه منذ وصول ترامب للسلطة، من تحركات منفصلة – وكانت ظهرت متناقضة في كثير من الأحوال- وكأنها بلا رابط.

من الآن فصاعدًا، نحن أمام رؤية أمريكية محددة وفي مواجهة خطة استراتيجية محددة، ستحكم إدارة الصراعات في المنطقة، ويمكن البناء عليها في خطط المواجهة.

لقد فسرت الكلمات والتحركات واللقاءات التي شهدتها أروقة المؤتمر أسباب حالة الارتباك التي شاهدناها بشأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، بدى الآن واضحًا أن أجهزة الدول الأمريكية وافقت على طلب ترامب بالانسحاب، لكنها قررت تأخير الانسحاب والمناورة بتفاصيله لتحقق مكاسب سياسية داخلية وأخرى خارجية، اتضح الآن أن الولايات المتحدة تجهز لإعلان انتصارها ولإظهار نجاح سياستها في المنطقة عبر إعلان القضاء على "داعش"، وأنها تريد الانطلاق من الاعلان عن "النصر" وفق صيغه احتفالية وطنية في الولايات المتحدة؛ للتأثير على الرأي العام الأمريكي والعربي والدولي للدفع باتجاه إنفاذ خططها الاستراتيجية الجديدة في المنطقة وعلى صعيد استراتيجي ممتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، ولذا وضع مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي ما سماه السيطرة على أراضي دولة الخلافة وتحدى ما وصفه بالتطرف الإسلامي على سلم الأولويات.

لقد وضع بنس ما سماه التطرف الإسلامي في المرتبة الأولى على سلم الأولويات، إذ قال: إنه ليس هناك أي تهديد أخطر وأكثر إلحاحًا من التطرف الإسلامي، كما ربط الصراع مع إيران بالقضاء على هذا "التطرف:، بل هو ربط مواجهته بـ"السلام" الفلسطيني الإسرائيلي (حسب المصطلحات السائدة في المؤتمر)، ولذا لن يكون مستبعدًا أن تكون التحضيرات جارية الآن لعملية ينتج عنها إلقاء القبض على زعيم تنظيم الدولة وإعادة تكرار مشهد إعدام الرئيس صدام حسين، وتلك فكرة أصيله في الاستراتيجيات الغربية.

كما فسرت وقائع المؤتمر ما كان يجرى همسا وما حدث من زيارات لنتنياهو لدول متناثرة في المنطقة، فقد كشفت الكلمات واللقاءات إشارات مثل بناء "تحالف الأقوام" الواردة في كلمة بنس؛ أن إدارة ترامب هي من رمت بثقلها خلف إخراج العلاقات بين بعض النظم العربية والكيان الصهيوني للعلن لا لتوسيع رقعة التطبيع – فقط - بل تمهيدًا لبناء كتلة استراتيجية يتولى الوكيل الاستراتيجي لها – الكيان الصهيوني- نمطًا من الإدارة المباشرة فيها؛ كتلة لا تتوقف عند حدود "الشرق الأوسط" بل تمتد بتحالفاتها من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، وتلك أبرز دلالات انعقاد المؤتمر في بولندا.

نحن هنا لم نعد أمام تطبيع، وإنما في مواجهة رؤية فكرية وخطة استراتيجية لإقامة تحالف وهيكل قيادة، إذا وضعنا في الاعتبار الجهد الأمريكي المحموم لبناء ما يوصف بالناتو العربي، نحن أمام محاولة بناء كتلة استراتيجية على أسس ثقافية ودينية وتاريخية حسب ما شرح نائب الرئيس الأمريكي.

لقد وضع بنس ما يمكن وصفه بالأساس التاريخي والثقافي والديني للتعاون بين الدول العربية في المنطقة وإسرائيل وأمريكا – والدول المسيحية- بطبيعة الحال، تحدث طويلاً على أننا جميعًا أبناء إبراهيم (سيدنا ابراهيم عليه السلام) وفق ما سمّاه الثقافة الإبراهيمية وأننا جميعًا ننحدر من مصدر واحد... كما تحدث عن رمزية القدس وصلاة المسلمين في الحرم الشريف وصلاة اليهود عند حائط المبكى والمسيحيين في الكنيسة لا كرمز للتسامح بل كرمز لوجود أسس متينة لإقامة هذا التحالف.

نحن هنا أمام تشكيل منطقة نفوذ استراتيجية أمريكية نصفها الأول في أوروبا الشرقية، في مواجهة أوروبا الغربية وروسيا على الجانبين، لمنع اندماج أوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي على حساب العلاقات مع الولايات المتحدة، ولإحاطة روسيا بسياج استراتيجي، ونصفها الثاني في الشرق الأوسط، في مواجهة التحالف الروسي الإيراني وللضغط على تركيا وتطويقها أيضًا، وكل هذا بالعبور فوق القضية الفلسطينية، وهو ما سيكتمل وضوحه عبر طرح ما يسمى صفقة القرن.

وهنا بدى طبيعيًا أن يتحدث نائب الرئيس الأمريكي عن استخدام القوة لفرض ودعم تلك الكتلة ولذا قال في الخطاب نفسه إن ترامب وضع استراتيجية للأمن القومي تقوم على "استخدام قرارات حاسمه لتعزيز الأمن الأمريكي والحفاظ على السلم من خلال القوة".

وللحديث بقية.

 

مقال خاص بموقع الهيئة نت.