عجائب وغرائب عراقية لا تنتهي.. إبراهيم الزبيدي

عجائب وغرائب عراقية لا تنتهي
إبراهيم الزبيدي
 
لو كان الذين أعلنوا الثورة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفاعا عن السيادة الوطنية العراقية التي انتهكتها زيارته لجنوده وضباطه في قاعدة عين الأسد العراقية غير حبايب إيران العراقيين لاستحقوا من أهل الوطن العراقي السليب كل تحية وعرفان وامتنان.

مع العلم أن الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة بين العراق وأميركا تخول لأي مسؤول أميركي دخول العراق والخروج منه دون إذن من أحد ودون مبررات، يعني أنه في داره وبين أهله وذويه. لكن هؤلاء الغاضبين اليوم على ترامب لم يغضبوا بالأمس حين فعل الشيءَ نفسَه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن في عهد نوري المالكي، وباراك أوباما في عهد حيدر العبادي.

وقبل ذلك لم يغضبوا حين احتلت دبابات الرئيس بوش الابن شوارع الوطن، كلها، وساحاته كلها، ولم يبكِ أحد منهم على سيادة ولا يحزنون. ثم ألم تكن قرارات بول بريمر ومستشاريه ومعاونيه المتربعين على عروش القصور الرئاسية “مشاريع أميركية صهيونية مستقبلية تزعزع أمن العراق” كما يقولون في بياناتهم وتصريحاتهم هذه الأيام؟ بل كانوا معه يدا بيد، شركاء، حلفاء، أدلاّء يُرشدون قادة جنوده وضباطه على أوكار أعدائهم (الخونة)، أعداء العراق الديمقراطي الأميركي.

ولا عجب ولا غرابة، فقد كان بوش الابن، وقبله بيل كلنتون، وقبله بوش الأب، أولياء نِعَمِهم، وممولي مؤتمراتهم وأحزابهم وجرائدهم وإذاعاتهم، وواعِديهم بخزائن العراق، وجاعليهم رؤساء ووزراء وسفراء وأصحاب فخامة ومعالي وسيادة.

فعن أي سيادة وطنية يتحدثون، وما زال كبارُهم، قبل صغارهم، يباهون بولائهم الأول والأخير لدولة الولي الفقيه، ويعلقون صور الخميني ووريثه خامنئي في مكاتب أحزابهم وميليشياتهم، علنا وعلى شاشات التلفزيون، ولا يخافون ولا يستحون؟

وما زال كبار قادة النظام الإيراني، العسكريون والمدنيون، يعلنون صراحة أن العراق ولدُهم الضائع العائد إلى أحضان أمه، بعد غياب طويل.

فهذا علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، يقول إن “إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”. ووزير الدفاع العميد حسين دهقان يعلن أن العراق إيراني، ويهدّد من يعترض على ذلك بمصير صدام حسين الذي قال إنه “كان غارقا في أحلامه، لكننا في النهاية أيقظناه من أحلامه، وقتلناه“.

ويقول إن “على العرب الذين يعيشون في العراق أن يغادروه إلى صحرائهم القاحلة التي جاؤوا منها، من الموصل وحتى حدود البصرة”. ويضيف “لدينا في العراق قوة الحشد الشعبي الشيعي، وسنُسكت أيَّ صوت يميل إلى جعل العراق يعود إلى ما يسمى بمحيطه العربي“.

وبرغم كل هذه الإعلانات والتصريحات والإنجازات الإيرانية الفاقعة المجلجلة ما زال عشاق الولي الفقيه العراقيون يتحدثون عن (سيادة) العراق الوطنية، ويرفضون المساس بها، ويهددون من يعتدي عليها بحرب داحس وغبراء جديدة لا تبقي ولا تذر.

يقول قيس الخزعلي، قائد ميليشيا عصائب أهل الحق، إن “زيارة ترامب لقاعدة عسكرية أميركية دون مراعاة الأعراف الدبلوماسية تكشف عن حقيقة المشروع الأميركي في العراق“.

ثم استنكرت قيادة سرايا السلام الجناح العسكري للتيار الصدري بشدة تلك الزيارة، وهدد الحاج أبوياسر، المعاون الجهادي لزعيم التيار مقتدى الصدر زعيم الشر العالمي ترامب بجاهزية الجناح العسكري للصدر لردع تلك الانتهاكات للسيادة العراقية، ومشاريع أميركية صهيونية مستقبلية تزعزع أمن العراق. كما أعلنت ميليشيات حركة النجباء أنها لن تسمح بأن يصبح العراق قاعدة أميركية لتهديد (دول الجوار)، وطالبت الحكومة بطرد القوات الأميركية، لأن وجودها على الأراضي العراقية يمس بسيادة البلاد.

والشيء بالشيء يذكر. فقد أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، عادل عبدالمهدي، أن “السلطات الأميركية أبلغت السلطات العراقية برغبة ترامب بإجراء الزيارة، إلا أن تباين وجهات النظر بشأن اللقاء حال دون عقده بين ترامب وعبدالمهدي، ليكتفيا باتصال هاتفي. ورحب رئيس الوزراء، وفقا لما ورد في بيان مكتبه الإعلامي، “بزيارة الرئيس الأميركي، ودعاه لزيارة بغداد، كما دعاه الرئيس الأميركي لزيارة واشنطن، واتفق الطرفان على الاستمرار بتوثيق العلاقات المشتركة بين البلدين“.

ومن الناحية الفنية والقانونية والواقعية يكون ترامب غير مخطئ وغير مذنب حين يزور جنوده وضباطه في الأرض الأميركية المقتطعة من العراق بعلم الحكومة وموافقتها وباتفاقات موثقة ومنشورة على الملأ. فلأميركا أربع قواعد عسكرية ضخمة في الأنبار، وقاعدة كبيرة في كردستان.

ويؤكد فرحان الدليمي عضو مجلس محافظة الأنبار أن “الجيش الأميركي أنشأ قاعدتين عسكريتين جديدتين على أرض خاوية في المحافظة”، “القاعدة الأولى أنشئت شمال ناحية الرمانة التابعة لقضاء القائم على حدود سوريا”، وتم إنشاء القاعدة الثانية شرقيّ مدينة الرطبة على بعد 100 كيلومتر عن الحدود السورية، ويتمركز الجنود الأميركون أيضا في قاعدتي الحبانية وعين الأسد في ناحية البغدادي غرب الرمادي لمساعدة القوات العراقية على السيطرة على حدود الوطن، لمنع تسلل عصابات داعش، ومنع عودتها إلى المدن المحررة.

وفي ما يخص وجود القوات القتالية في القواعد الأميركية المنتشرة في أربيل أعلن الأمين العام لوزارة البيشمركة جبار الياور أنها أرسلت من العاصمة بغداد، وأن”الحكومة الاتحادية هي المسؤول الأول عن دخول أي قوات أجنبية إلى إقليم كردستان”. و”لا يمكن أن تزيد أميركا أعدادها إلا بموافقة بغداد والإقليم“.

سؤال مهم، ألم يكن من باب اللياقة والإتيكيت الدبلوماسي أن يهاتف الرئيس الأميركي نظيره العراقي، أولا، ثم رئيس الوزراء بعد ذلك؟ إنها عجائب وغرائب عراقية لا تنتهي.

 

ـ صحيفة العرب اللندنية