العراق في 2018 .. أزمات سياسية وأفق ضيق

الهيئة نت ـ خاص| أزمات عديدة شهدها العراق في سنة 2018، على المستويات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، وغيرها؛ جعلت المشهد العراقي غائرًا في مستنقع معقد لا أمل ملموس يرجح احتمال التغيير أو الإصلاح وفق مزاعم الذين روّجوا لحكومة الاحتلال السابعة التي لم يكتمل تشكيلتها حتى الآن.

ففي ملف الانتخابات؛ طغت على المشهد السياسي تحالفات وصفها المراقبون بأنها ضعيفة وهشة، سرعان ما أثبتت الأحداث أنها كذلك، وأكّدها العزوف الكبير عن المشاركة في الانتخابات الذي أبداه الشارع العراقي قبيل منتصف شهر أيار/ مايو، وهو ما أفقد الثقة تمامًا في العملية السياسية ككل فضلًا عن الحكومة المرتقبة آنذاك، بسبب وهن العملية الانتخابية وعدم وضوحها، وزاد على ذلك لاحقًا تبادل الأحزاب والكتل السياسية الاتهامات بتزوير النتائج والتلاعب بأصوات الناخبين.

وجاءت حادثة إحراق مقر صناديق الاقتراع في الرصافة ببغداد، لتؤكد ما شخصه العراقيون بشأن تعمّد مكونات العملية السياسية تجاهل مصلحة البلاد وشعبها، والاهتمام بمصالحها الفئوية، مما أدى إلى تعمّق الأزمة السياسية في البلاد، وخاصة بعدما تزامنت هذه الأحداث مع تفشي ظاهرة انفجار مخازن أسلحة الميليشيات التي اتخذت من الأحياء السكنية في بغداد وغيرها مواقع لإخفائها وجعلها وسيلة ضغط على المنافسين، بعدما صار لـ(الحشد الشعبي) موطؤ قدم في اللعبة السياسية.

مشكلة الكتلة الأكبر بعدما توافقت الأحزاب على (المصادقة) على نتائج الانتخابات؛ برزت سريعًا، وأظهرت نوعًا آخر من الفساد السياسي المتمثل بصفقات شراء مقاعد مجلس النوّاب، والتنقلات المصلحية بين أعضاء الأخيرة من كتلة إلى أخرى تبعًا لمن يدفع أكثر، والأمر سار على الوتيرة نفسها في قضية توزيع الحصص الوزارية في تشكيلة الحكومة التي لم تكتمل حتى الآن.

توّلدت أزمة الرئاسات الثلاث من قلب أزمة الكتلة الأكبر؛ ثم حلّت أزمة تشكيل الحكومة لتفرض نفسها في واقع سياسي قائم على نظام المحاصصة والتوافق بين القوى التي تتحكم بها إرادات تسيير العملية السياسية، الأمر الذي جعل الملفات المغيّبة تتوالى في الظهور علنًا في سياق التسقيط السياسي بين المتنافسين أفرادًا وكتلًا، فظهرت أمور عديدة ومفاتيح لإجابات عن التساؤلات السابقة التي لم تعرف حقائقها، ومنها: فضيحة سرقة سبعة مليارات دينار تحت ذريعة تلفها بسبب مياه الأمطار، التي أخذت من المشهد العراقي وقتًا لا بأس به بين شد وجذب واتهامات، وسرعان ما أفلت وطويت وكأنها لم تكن مستحوذة على نشرات الأخبار.

ويشير مراقبون إلى أن هشاشة التوافقات بين الكتل السياسية بشأن إتمام تشكيلة الحكومة (الجديدة)؛ تُنذر باستمرار الصراع في العام المقبل 2019، ولأجل غير محدد، لاسيما وأن الوزارات الأمنية محاطة بمزايدات وخلافات وصفقات لا يُرجى حسمها، مما يجعل الواقع العراقي يتجه نحو هوّة أمنية جديدة يعزز من احتماليتها ما ورد في مجلة (ناشيونال إنترست) الأمريكية في تقرير أشار إلى توقع انهيار في الملف الأمني العراقي، بسبب إمكانية عودة مقاتلي (تنظيم الدولة) إلى الظهور مجددًا ليُسدل الستار على كذبة حكومية أخرى روّجت لها الصحافة الأمريكية نفسها قبل مدة تتعلق بانتهاء الأعمال العسكرية في البلاد.

جرت أحداث الأزمات السياسية المتوالية في العراق حينما كانت بغداد ومحافظات الجنوب تلتهب محتجة على السياسات الحكومية، وانعدام فرص العمل، وتفشي الفساد، يرافقها سخط غير مسبوق على إيران التي باتت تتحكم بكل صغيرة وكبيرة في الدولة العراقية ـ إذا صح وصف واقع العراق اليوم بأنه دولة ـ وغير ذلك من المطالب الإنسانية التي واجهتها حكومة بغداد بالقمع والاعتقال وملاحقة الناشطين وتصفيتهم على أيدي الميليشيات، مما جعل الأزمة تتصاعد ثم تُطوّق بمزيد من التعقيد.

المواطن العراقي بقي أسير الأزمات التي تفتعلها القوى المتحكمة في اقتصاد العراق وأمنه، فظاهرة نفوق الأسماك التي تشير الوقائع إلى تورط إيران بها بعد ساعات من إعلان العراق اكتفاءه الذاتي من الثروة السمكية، وعزمه إيقاف استيراد الأسماك من إيران؛ سببت انقطاع شريحة واسعة من العراقيين عن مزاولة مهنهم في تربية وإنتاج الأسماك، بالتزامن مع عزوف الفلاحين عن الزراعة بسبب شحة المياه أولًا، ومن ثم كثرة المحاصيل المتوردة التي سببت كسادًا محليًا، الأمر الذي رفع معدل البطالة وزاد من ظاهرة النزوح والهجرة من الأرياف إلى المدن، وجعل قطاع الزراعة في العراق على شفا الهاوية.

أزمات العراق في سنة 2018، امتدت لتشمل قضايا أكثر ومناطق أوسع، فعلاوة على مأساة النازحين وما يعانونه صيفًا وشتاءً من وضع إنساني متدهور على صعيدي الصحة والأمن الغذائي بالدرجة الأولى، ثم في مجال التعليم، والعمل، وحرية التنقل، وغير ذلك من الحقوق الإنسانية المتصلة بالحياة؛ جاءت موجات الفيضانات الناجمة عن سيول مياه الأمطار لتهدد المخيمات ومن فيها، وتطال قرى ونواحٍ لم تجد من يمد لأهلها يد العون والإغاثة، وزاد من تعقيد الوضع؛ انهيار البنى التحتية في جميع المحافظات، واللامبالاة التي تبديها السلطات الحكومية تجاه ملف الإعمار والخدمات وتوفير المستلزمات الضرورية لمواجهة الأزمات البيئية من هذا القبيل.

جميع الأصعدة في العراقي غارقة بالأزمات المعقدة التي لا أمل في حلها على المدى القريب، وليس ثمة أفق منظور وإن كان بعيدًا يُشير إلى احتمال الخلاص منها، ومما يجعل الأمر في غاية السوء، هو انعدام رؤية الحل لدى حكومة أدمنت على انتهاك حقوق الإنسان بانصرافها عن كل ما من شأنه بناء البلاد وتطويرها وتوفير حاجات شعبها، وتسلطها على الناس بالاعتقالات والتغييب القسري، والتغطية على الجرائم الممنهجة التي ترتكبها الميليشيات وأحزاب السلطة، والأجهزة الحكومية بأسلوب تعسفي ذي توجه طائفي وعرقي.

الهيئة نت

ج