تقرير قسم حقوق الإنسان بعنوان: (اهدموها على رؤوس أهلها.. (داعش) كانت هنا)

تقرير
اهدموها على رؤوس أهلها.. (داعش) كانت هنا

لا يخفى على أحد شعار (تحرير الإنسان) الذي رفعته الحكومة في بغداد وحلفاؤها خلال العمليات العسكرية الكبرى لاستعادة المحافظات التي سيطر عليها (تنظيم الدولة) بعد انسحاب الجيش الحكومي وجميع القوات الأمنية المساندة له والميليشيات أمام التنظيم في مشاهد اتّضحت للجميع أنها معدّة سلفاً، والغرض منها تدمير الإنسان والإجهاز على جميع مظاهر الحياة والبنية التحتية في المناطق المستهدفة بدوافع طائفية مقيتة.

والشاهد الحي على هذا الهدف الرئيس من وراء العمليات العسكرية الكبرى؛ هو حجم الدمار والخراب اللذان لحقا بجميع المدن والبلدات المستعادة خلال السنوات الماضية، وحجم القوة المستخدمة وأنواع الأسلحة المحظورة التي أُلقيت بأوزان هائلة على مناطق آهلة بالسكان وعلى مدن مثل الموصل التي يصل تعداد أهلها إلى أكثر من 3 ملايين و800 ألف نسمة.

ومن الأمثلة المدللة التي تعضّد ما نقول بأن الهدف هو التدمير لا التحرير؛ أنه في حرب الموصل فقط سقط أكثر من 100 ألف مدني بين قتيل وجريح، ولا يزال هناك نحو 20 ألف آخرين في عداد المفقودين يُعتقد أنهم قضوا قصفاً تحت أنقاض منازلهم التي كانوا يحتمون داخلها. إلى جانب ما يقارب 40 ألف رجل وشاب وحتى صبي أو طفل احتُجزوا احتجازاً تعسفياً واضحاً دون تهمة من قِبَل القوات الحكومية والميليشيات المساندة لها عند نقاط التفتيش أو مداخل المخيمات، ما زال مصيرهم مجهولاً، فلا اتصال بهم، ولم تصرّح الحكومة عن أماكن احتجازهم وسط تقارير توثّق احتجاز بعضهم بأماكن غير رسمية تُدار من قِبَل القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها.

فضلاً عما تسبب به القصف العنيف الذي استمر طوال أشهر الحرب، والذي دمّر ما لا يقل عن 120 ألف منزل في المدينة، ونحو 30 ألف مجمّع تجاري ومنشأة صناعية، ونحو 200 مدرسة ومشفى ومركز صحي بما فيها المستشفى العام في المدينة التي لا تزال خارج الخدمة. ناهيك عن قيام التحالف الدولي باستخدام الأسلحة المحظورة في مناطق آهلة بالسكان ومزدحمة بأهلها، وهدم الجسور التي كان من المفترض أن تكون ممرات آمنة لخروج السكان من المدينة، وإصابة أكثر من 130 كيلو مترا من شبكات الطرق في المدينة بالضرر جزئياً أو كلياً من جرّاء إلقاء آلاف الأطنان من المواد المتفجرة والقنابل الثقيلة على المناطق المدنية بشكل عشوائي غير مميز، وهذه المشاهد الفظيعة تكررت في مدن: الرمادي وبعشيقة وسنجار ومناطق سهل نينوى والحويجة وبيجي ومناطق واسعة من محافظة ديالى وعشرات المدن والبلدات الأُخرى التي استهدفتها العمليات العسكرية الكبرى بحجة استعادتها من التنظيم المتشدد.

فإذا كان الهدف من وراء الحرب استعادة المدن، فلماذا هذا القتل والدمار والخراب والتعثر أو الإهمال في عمليات إعادة الإعمار للمدن المحررة بحسب الحكومة على الرغم من مرور سنوات على استعادتها، علماً أنه طرأ ارتفاع على أسعار النفط أو استقرارها بمستويات مرضية؛ الأمر الذي ينفي ذريعة العجز المالي، التي دأبت الحكومة الحالية والسابقة على التذرع بها للهروب من المسؤولية. ومما يؤكد هدف التدمير لا التحرير هو المنوال الذي سارت عليه القوات الحكومية والميليشيات الطائفية التي سيطرت على المشهد الأمني في جميع المدن المستعادة، والتي عاثت فساداً وقتلا وتشريدا فيها لتُتم بذلك مقتضيات الوصول إلى الهدف من تحويل المدن إلى مناطق مهجورة خراباً يباباً تسكنها الغربان، والشواهد على ذلك كثيرة.

ومما يشير إلى الإمعان في ذلك هو ما قامت به الميليشيات الطائفية في مدينة المقدادية في محافظة ديالى بداية الشهر الجاري حيث هدمت هذه الميليشيات الموالية لإيران جامع المرحوم (توفيق عجاج) في المدينة، وعمره نحو 100 عام، بذريعة أن "داعش" قد استخدمه في السنوات الماضية، في الوقت الذي يشهد أهل المحافظة فضلاً عن المدينة أن هذا التنظيم الإرهابي لم يصل إلى المدينة إطلاقاً ولم يستخدم هذا المسجد أبداً، وعلى فرض أن التنظيم قد استخدمه؛ فهل الواجب هدم المساجد والدوائر العامة والجسور التي استخدمها "داعش" عندما كان مسيطراً على أجزاء واسعة من العراق تقدر بأكثر من نصف مساحة البلاد في وقت من الأوقات؛ الأمر الذي يؤكد كونها حجة للتنكيل بالأهالي وبث الرعب والفزع في أوساطهم بغية دفعهم لهجر مناطقهم وتشريدهم ضمن مخطط تغيير التركيبة السكانية في المحافظة لصالح بسط النفوذ الإيراني فيها بشكل تام ودائم، وهذا الإجراء وأمثاله يأتي بسبب الرفض القاطع من أهل المدينة والمحافظة الأصليين للهيمنة الإيرانية الجاري توسّعها منذ 2003 وحتى اليوم.

وفي هذا السياق وفي الشهر نفسه، قامت ميليشيا الحشد الإرهابية وفي خطوة طائفية معتادة بالاستيلاء على جامع (الأرقم) في حي المثنى في مدينة الموصل بمحافظة نينوى، بتاريخ (10/ 12/ 2018م)، بعد اقتحامه بمصاحبة مجموعة من أفراد ما يُسمى (التوجيه العقائدي) وتغيير اسمه إلى جامع (الوحدة الإسلامية) في تناقض واضح بين الاسم والواقع، حيث اتُّخذ مقراً عسكرياً لميليشيا (النجباء)، التي تسعى مع باقي الميليشيات منذ البداية للاستيلاء على ما تستطيع الاستيلاء عليه من المراكز الثقافية والمساجد والمواقع المهمة الأُخرى في سلوك يُعد دليلاً داحضاً لادعاءات التحرير والنصر التي يتبجّح بها السياسيون وأذيالهم ممن رضوا بالمهانة والتبعية والانصياع للإرادات الإقليمية والدولية التي تعمل جاهدةً على إضعاف العراق وتفكيكه مجتمعياً وتغيير التركيبة السكانية في أجزاء واسعة منه لصالح مشاريع توسعية لم تعد خافية على أحد.

إنما جرى ويجري من أحداث جسام ضد الإنسان العراقي بالمطلق في المناطق المستهدفة من قِبَل قوات الحكومة وأجهزتها الأمنية والميليشيات الداعمة لها الموالية لإيران، فضلاً على السلطات المحلية، ولا سيما (ديوان الوقف) الذي يقف عاجزاً عن حماية المساجد ومؤسسات الوقف في خطوة تنمّ عن الفشل الذريع للعملية السياسية وللمشاركين فيها، والسكوت غير المبرر على الفساد والإفساد الحكوميين، وهذا ما كشفته الأحداث وأثبتته الوقائع.

وقد أصدرت الأمانة العامة في هيئة علماء المسلمين في العراق بياناً بشأن استيلاء ميليشيا الحشد على جامع (الأرقم)، حمل الرقم 1553 ، وأكّدت الهيئة فيه أن هذا الاعتداء الطائفي ليس وليد اللحظة بل هو منهج متّبع دأبت عليه الأحزاب والميليشيات التي هيمنت على الساحة العراقية إبان الاحتلال، محمّلة المسؤولية الكاملة في اغتصاب هذا الجامع وتداعياته للحكومة الحالية وأجهزتها الأمنية وميليشياتها المساندة لها، مؤكّدة عدم إعفاء السلطات المحلية من هذه المسؤولية وفي مقدمتها المحافظ ومجلس المحافظة وديوان الوقف، التي سُخّرت في المدة الماضية لكيل المديح للميليشيات الإرهابية التي ردّت الجميل عدواناً واغتصاباً.

إن ما تقوم به القوات الحكومية والميليشيات الموالية لإيران بشكل ممنهج وفي مشاهد متكررة بأغلب المناطق المستعادة لا يختلف عما ارتكبه (تنظيم الدولة) طوال السنوات التي استولى بها على مناطق واسعة من العراق. فالمبررات التي تبيح هدم المساجد والمعالم التاريخية هي نفسها، والدواعي الانتقامية هي نفسها، والرغبة في طمس الهوية التراثية للعراق هي نفسها، فضلاً عن الطرق والأساليب نفسها في إرهاب الناس وبث الرعب في نفوسهم، والطرق الوحشية في تنفيذ عمليات الإعدام الميدانية للمدنيين لمجرد الشبهة دون تثبّت أو تحقيق أو قرائن أو أدلة في سلوك يثبت للجميع أن لا دولة في العراق ولا نظاماً قائماً في العراق سوى شريعة الغاب وسطوة القتلة وهيمنة الحاكمين والمنتقمين.

إن ما ورد في هذا التقرير هو مثال من بين مئات الأمثلة المدللة على أن الهدف من وراء شن العمليات الكبرى من قِبَل الحكومة وحلفائها وميليشياتها هو تدمير البلد وإذلال أهله وإخضاعهم للهيمنة الإيرانية؛ والنتائج والمخرجات شاهد على هذا المخطط الفظيع الذي يرمي إلى إرجاع العراق إلى عصور ما قبل التأريخ كما وعد بذلك دهاقنة الاحتلال البغيض وأزلامه وأذياله.

قسم حقوق الإنسان
17/ ربيع الآخر/ 1440هـ
24/ 12/ 2018م