دولة الحرب الأمريكية وصناعة الموت.. عمر الفرحان

  • مقالات
  • 815 قراءة
  • 0 تعليق
  • الخميس 20-12-2018 02:42 مساء

دولة الحرب الأمريكية وصناعة الموت

عمر الفرحان

أصبح من الممكن جدًا في عصر العولمة أن تقنع الناس بأنهم يتعرضون للهجوم والدمار على يد ميليشيا أو قوى معادية داخلية أو خارجية، وبهذا تكون الحرب وسيلة ترفيهية وتجارة ربحية، ويعمل البنتاغون مع شركات كبرى إعلامية وحربية بشكل وثيق للتخطيط لتدمير البلاد والمجتمعات، ويستمر التخطيط لأشهر وسنوات عديدة لتحويل قناعة الجماهير بقبول التدخل الأجنبي وخوض الحرب.

إن تبرير الدولة الأمريكية للحرب دائمًا ما يظهر على عدو معين وقد يكون ذلك على حساب أمنها في الداخل لفترة قصيرة حتى تمضي فيما بعده بمشروعها الخارجي، كما فعلت في أحداث 11 سبتمبر 2001م ، وتعطي نتائج تقاريرها المفبركة دافعًا آخر لخوض الحرب كادعائها بامتلاك الدول الأخرى أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أو تدعي بانتهاكها القوانين الدولية، أو بمحاولاتها خلق منظمات إرهابية وانتشارها لتسوغ مشروعها، عندها يمكننا أن نستنتج أن هذه الأحداث هي نتائج تدبير أولي واتفاقيات بين شركات كبرى لتنفيذ المشروع التوسعي عن طريق صناعة الموت.

ادعت إدارة بوش بلا كلل أنها تحترم القانون الدولي وهي حامية الديمقراطية في العالم من خلال ضغطها على مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات عسكرية بشأن انتهاك العراق لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي. وفي الواقع، فمنذ دخولها في الحرب انتهكت الولايات المتحدة الأمريكية القوانين والعهود والبروتوكولات، وشنت هجومًا غير تقليدي في ضرب الشعب العراقي بالأسلحة النووية، والأسلحة البيولوجية، والأسلحة الكيميائية، وقامت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان كالتعذيب، والسياسة العنصرية، والتمييز، والطائفية، والعنف ضد النساء، والاعتقال التعسفي، وسوء معاملة السجناء، والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وزعزعة استقرار الأمن الدولي.

والمتتبع لأحداث احتلال العراق يرى أن التأثير على المواطن العراقي طال أمده فمنذ عام 1990 وحتى احتلاله عام 2003 والآلة الأمريكية تعمل على تدمير المجتمع والدولة بحجة التحرير، ومع ذلك؛ فإن الضحايا المستهدفين منذ الحرب الأولى على العراق هم من الأطفال الرضع والنساء والشيوخ فضلًا عن تدمير البنى التحتية. وتبنت إدارة بوش مبدأ "الصدمة والرعب" الذي تسبب بانتشار مرض مزمن وفوضى خلاقة في المنطقة أثرت نتائجها على جميع الدول، وخلّفت  مقتل أكثر من 500،000 طفل في العراق نتيجة الحرب الأخيرة وفقاً لليونيسف - وهو رقم تنبأت به في عام 1991 مجلة نيوإنجلند للطب ، وأثبت في عام 1999 من قبل الأبحاث الطبية البريطانية الرائدة (لانسيت).

لطالما كان الهدف النهائي للحرب الأمريكية هو أكبر احتياطي نفطي عالي الجودة يمكن الوصول إليه على هذا الكوكب، وطالما رغب حزب بوش في ذلك، وكان الغزو العسكري الأمريكي هو أسلوب الحرب الخاطفة المفضّل للحصول عليه على مدى سنوات من التخطيط دون رد من مجلس الأمن لكن الرأي العام العالمي لم يغمض عينيه مثل الحكومات ووسائل الإعلام المشتركة، فقد كان 96٪ من شعب تركيا ضد غزو العراق، وكان أكثر من 90٪ من سكان إسبانيا يعارضون الانضمام للحرب، وقد تظاهر أكثر من 30 مليون مواطن من جميع أنحاء العالم ضد غزو بقيادة الولايات المتحدة في عطلة نهاية الأسبوع، وهو حدث غير مسبوق تاريخيًا.

وبينت دراسة موثقة أعدها (جيمس أ. لوكاس) عن عدد الأشخاص الذين قتلوا بسبب سلسلة الحروب والانقلابات المستمرة وغير المنقطعة والعمليات التخريبية التي نفذتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م حتى الآن وهو عدد يقدر بنحو 20 إلى 30 مليون ضحية، بما يقرب من ضعف عدد الوفيات الناجمة عن الحرب العالمية الأولى.

وتوثق الدراسة الحروب والانقلابات التي نفذتها الولايات المتحدة في 30 دولة آسيوية وأفريقية وأوروبية وأمريكية لاتينية،  وكشف عن أن القوات العسكرية الأمريكية مسؤولة بشكل مباشر عن وفاة ما بين 10 و 15 مليون شخص، بسبب الحروب الكبرى ضد كوريا وفيتنام والحربين ضد العراق، وأن ما بين 10 و 14 مليون وفاة أخرى ناجمة عن الحروب بالوكالة التي خاضتها القوات المسلحة المتحالفة التي تدربها وتديرها الولايات المتحدة في أفغانستان وأنغولا والكونغو والسودان وغواتيمالا وبلدان أخرى.

 إن التركيبة الداخلية والعقلية التي تتبناها الادارة الأمريكية بمختلف قياداتها لديها عقدة الأمن القومي، وتفترض أنها مهددة بشكل دائم ومستمر، وتعتقد أنها دولة حاكمة للعالم كله وتأتي هذه العقدة والعقلية من معتقد ديني قائم على تفويض الإله لها بقيادة العالم وحمايته من الخطر الخارجي والداخلي وعليها أن تطارد من يعارضها دينيًا أو ممارسة شتى الوسائل الممكنة لفرض إرادتها عليه باسم الحرية والديمقراطية والإنسانية.

وتتبنى الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من المبادئ المنظمة بشكل خفي من خلال ادارة أعمالها في العالم فتفرض أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من تصون الأمن القومي داخليًا وعالميًا ولذا عليها الاستعداد دومًا في الحفاظ على أمنها واستقرار العالم بما يخدم مصالحها، وتفترض أيضًا أنها المصدر الأخير والمتحرك للحرية والسلام العالمي تجسيدًا للأمر الإلهي، وترى أنها في حالة نزاع دائم وتصارع مع الدول والمجتمعات لفرض هيمنتها من أجل إحلال السلام والعيش في كنف الحرية والديمقراطية الغربية.

 

ـ مقال خاص بموقع الهيئة نت.