التهديد بالاستقالة.. برنامج لحكومة العراق... حامد الكيلاني

  • مقالات
  • 90 قراءة
  • 0 تعليق
  • الجمعة 30-11-2018 09:57 مساء

التهديد بالاستقالة.. برنامج لحكومة العراق

حامد الكيلاني

 
 
توافقت الانتخابات البرلمانية في العراق مع الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الموقع مع إيران، وهذا التزامن ألقى بظلاله على نتائج الانتخابات، ليس في الصناديق وعزوف الناخبين عن التصويت لفقدان الثقة بالعملية السياسية وما جرّته من ويلات، بل في ارتباك التدافع والارتماء في كفة إيران من ميزان الاحتلال الذي بدت فيه الكفة الأميركية أقل وزناً وبوضوح؛ رغم أن الحسابات الأميركية المرتفعة لا تلتفت بحزم إلى هذا التحليل، لأن الإدارات السابقة في البيت الأبيض كانت درعاً واقياً للتواجد الإيراني في السلطة، عدا عن تشكل قواعد الميليشيات المستحدثة بعد الاحتلال إضافة إلى جهوزية بعضها منذ حرب الثمانينات.

الأبعاد اللوجستية للأزمات الانتخابية بدأت بحرق الصناديق في الرصافة، إلى الطعون في أجهزة العد والفرز الإلكترونية واتهامات الفساد في صفقات شرائها ثم الفرز اليدوي وسلسلة فضائح وتحالفات وشراء ذمم وأصوات، امتدت بموازاة كوارث في الخدمات والبيئة وانتفاضة الغضب في البصرة ومحافظات الجنوب وحرق صور الخميني والقنصلية الإيرانية ومقرات الأحزاب والميليشيات، إضافة إلى نشاطات الرعاة في معادلة التنافس الانتخابي بين الولايات المتحدة وإيران.

تلك المرحلة من 12 مايو إلى اليوم، بتوافقاتها على تجاوز مفهوم الكتلة الأكبر في البرلمان، أدت إلى اختيار رئيس وزراء بمواصفات عادل عبدالمهدي الشخصية بخلفياته الأسرية والفكرية والعلمية وتاريخه في التنقل الأيديولوجي، وتجربة استقالته تلبية لآثار السخط في الشارع العراقي على تبذير الأموال في الرئاسات الثلاث على مناصب بلا صلاحيات تذكر.

رئيس الوزراء المكلف ارتضى، عن قناعة وذكاء، البقاء على مقعد الاحتياط مراقباً عن قرب تهاوي اللاعبين في مباراة ماراثونية لشركاء الفشل من كلا الفريقين الإيراني والأميركي وإخفاقهما في تعزيز مكانتهما كأحزاب أو إرادات أو توجهات شخصية، انتهت إلى وضع العراق على مقتربات انفجار اليأس واحتمال تكرار صور مشاهد عنف لن تغيب عن مخيلة العراقيين طالت رموزا في قمة السلطة وفي فترات دامية وبحلقات متصلة.

اكتفى عادل عبدالمهدي برئاسته لتحرير جريدة يطرح فيها رؤيته لإدارة الدولة وفق تصوراته العلمية والعملية، متابعاً لما يجري في مجالس التحالفات واللقاءات والمشاورات؛ ومع أن تكليفه جاء متأخرا بعد تناقضات التوافق الإجباري بين كتلتي الإصلاح والبناء، إلا أنه كان على دراية بأن لحظته المركزية تعتمد على ذروة الخلافات وعدم التوافق على “المجرب لا يجرب” رغم أنه أحد رموز سلطة الاحتلال.

جريمة السطو المسلح لعدد من أفراد حمايته على مصرف الزوية، استغلها الخصوم بما لديهم من إعلام وجيوش إلكترونية، لكنهم توقفوا عند لحظة الالتقاء في قمة الأزمة واللاثقة ومفترق طرق الأطراف المتجانسة طائفياً بصراع محتمل جداً كان بمثابة جرس إنذار لتمدد أكبر للانتفاضة وضياع مكاسبهم في الاحتلال، بما يعنيه العراق من غنيمة دسمة لا تقارن بالخلافات على عدد من المقاصد الانتخابية أو على صلاحيات مهما تعاظمت أهميتها إلا أنها تظل تحت اليد والمتناول والاستثمار.

اختيار عادل عبدالمهدي لرئاسة الوزراء كان قائماً منذ الدورة الانتخابية الأولى بعد الاحتلال، لكنه لم يكن رجل تلك المرحلة في تقدير الكتل الطائفية أو المرجعيات في فترة الغليان المذهبي ومستحقاتها المنجزة نقداً وعداً.

تأمل الواقع يبدو متناقضاً ولا يستقر في التحليلات مع صعود دور الميليشيات السياسي في الانتخابات الأخيرة، لعزوف أكثرية المواطنين عن التصويت خلافاً للكتل البشرية المجيّشة بأوامر ونواهي دينية وطائفية.

تسمية شخصية عادل عبدالمهدي بالذات لرئاسة الوزراء، مهادنة مع الظرف السياسي العام في العراق، فالتهدئة مطلوبة من جميع الفرقاء في العملية السياسية على اختلاف التباينات الإيرانية والأميركية المتداخلة والتي استغلها رئيس الوزراء في طروحات إصلاحية أكاديمية وبالمباشرة في عمليات ملموسة للمواطن تبتغي بناء الثقة بإجراءات سريعة؛ لكن هذه التغييرات لن يكون لها جدوى لأن القبول بسقف الميليشيات العالي وصلاحياتها القانونية وعجائب ما يصدر إليها ومنها يفوق صلاحيات أي نظام سياسي في أي دولة مستقرة. اشتراط الحرية في حق اختيار الوزراء وتنفيذ البرنامج الحكومي لمغادرة الفشل في إدارة الدولة والمعد سلفاً، اصطدم بحقائق التجاذبات حول توزير شخصية مطلوبة بإلحاح من تحالف البناء لتولي منصب وزارة الداخلية، وهو المنصب الذي تحول إلى فضيحة في العمل السياسي.

عودة إلى اللامبالاة في قبول مبدأ الوكالة لإدارة وزارتي الداخلية والدفاع، مع تأجيلات متكررة لجلسات التصويت على المرشحين في البرلمان تحت مبررات إضاعة الوقت لا تعني شيئاً في وطن أضاع الكثير من سنواته في الأزمات والحكومات الفاشلة، والأدهى أن الصراع يتلبس رداء المبادئ وليس الأسماء في حجة لصراع أكبر بين إيران وإيران في العراق، أو بين ميليشيات وميليشيات تتفاوت في أسباب الهيمنة والنفوذ وفرض الإرادات على الشارع.

موقف رئيس الوزراء وضعه خارج قاعة المزاد للوزارة الأهم في فترة العقوبات الأميركية على إيران، بارتهان صريح لما يمكن أن يكون مرحلة انتقالية بقروض قصيرة واجبة السداد حين الطلب.

التهديد بالاستقالة استجابة ضمنية لوصاية إيرانية بالتصرف في حدود المعقول بمحيط دولي وإقليمي لا يبعث على الاطمئنان، ومطلوب فيه من العراق أن يمضي بعصا التوازن على حبل إملاءات طهران العقلانية، على غير العادة، كمنصة اقتصادية غير مستفزة للولايات المتحدة.

الأداء على مسرح العبث في العراق سيصل إلى ذروته عند حدود يكون فيها تهديد عادل عبدالمهدي بالاستقالة مجرد صفقة أقرب إلى الموضوعية بحثاً عن شخصية أخرى أو الإبقاء عليه، لكن بشخصية تستلقي بحذر في كفة إيران من ميزان كارثة الاحتلال الأميركي للعراق.