تقرير: ذوو الاحتياجات الخاصة في العراق.. إهمال متعمد بصبغة طائفية

ذوو الاحتياجات الخاصة في العراق

إهمال متعمد بصبغة طائفية

 

تتعرض فئة ذوي الاحتياجات الخاصة في العراق منذ 2003 وحتى اليوم إلى التهميش، والإقصاء، وهدر الحقوق، والإهمال، وعدم الالتفات إلى ما يساعدها على تحمّل ظروف الحياة المعاشية، وما يرافقها من معاناة وصعوبات خاصة بأفراد هذه الفئة. ولهذا الإهمال، والتهميش، وعدم الاهتمام، أوجه كثيرة، منها: عدم وجود إحصائية ثابتة لهذه الفئة، فضلاً عن وجود تباين كبير بين المعلَن رسمياً في العراق بشأن أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة، وبين ما يَرِد في تقارير المنظمات الدولية والأُممية، لا سيما منظمة الصحة العالمية.

ففي آخر إحصاءات وزارة التخطيط في العراق الذي أجرته في العام 2016، أعلنت الوزارة أن أعداد ذوي الإعاقة نحو 1375000 شخص، في حين يَرِد في التقارير الدولية أن نسبة ذوي الإعاقة في العراق تجاوزت 12% من السكان، أي أن أعدادهم تزيد عن 4 ملايين شخص. وبقراءة سريعة للإحصاء الذي أجرته وزارة التخطيط، يُدرك القارئ أن في العام 2016 شهد العراق عمليات عسكرية كبرى، الأمر الذي استثنى محافظات عديدة في العراق من هذا الإحصاء.

وإلى جانب الإهمال الرسمي الواضح، يمكن أن نحصل على تفسير للتباين الكبير بين المعلَن بشأن أعداد هذه الفئة محلياً ودولياً، ناهيك عن إهمال الإحصاء الحكومي لأعداد ضحايا التفجيرات، والألغام الأرضية، والذخائر غير المتفجرة، التي تُضاف شهرياً لهذه الفئة، والتي تُقدر بالمئات إن لم تكن بالآلاف. ومن أوجه الإهمال الرسمي الأُخرى وجود عشرات الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة المسجلين لدى وزارة العدل بسبب عوقهم الشديد، إلا أنهم لا يحصلون على أي شكل من أشكال الدعم من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية رغم ترويجهم عشرات المعاملات بهذا الشأن، حيث إنها تُهمَل في كل مرة. وهذا الصدود ولّد لدى الآلاف من هذه الفئة قناعة بعدم اهتمام الحكومة بهذه الشريحة، الأمر الذي جعلهم لا يعودون لمراجعة الدوائر المعنية.

وما يزيد الطين بلة والداء علة عدم استجابة وزارة المالية لوضع التخصيصات المالية المناسبة لهذه الفئة المهمة في المجتمع. وحتى أمانة بغداد لم تُعِر أي اهتمام لهذه الفئة، ولم توفّر الطرق السالكة لهم، ولم تُنشئ مناطق خاصة لعبورهم الشوارع، ولم تسعَ بأي شكل من الأشكال في جعل البيئة المعيشية صديقة لهم، في الوقت الذي لا يخفى فيه على أحد حجم الصعوبات التي تواجه الأفراد المعاقين في ممارسة أبسط حق من حقوقهم وهو التنقل بحرية وأمان وسهولة في المناطق التي يعيشون فيها.

ومن المضحك المبكي أن التهميش لهذه الفئة من قِبَل المشاركين في العملية السياسية الحالية بلغ أوجه في عدم ذكرهم أو التطرق إلى معاناتهم حتى في المزايدات الانتخابية والمؤتمرات الحزبية. ومما يثير الاستغراب إهمال هذه الفئة حتى من منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية المعنية، فهي غير فاعلة في تناول قضية ذوي الإعاقة، ولا تعطي لهذه الفئة المساحة المطلوبة لعرض أحوالها ومشاكلها والصعوبات والتحديات التي تواجهها لأسباب عدة لا تغيب عنها المصالح الشخصية المقدمة على مصلحة هذه الشريحة المظلومة، ناهيك عن انعدام التأهيل النفسي والرعاية الخاصة الواجب توفرها لذوي الإعاقة في سبيل توفير أبسط مقومات العيش الكريم لهم، وما تركه هذا الانعدام من آثار سلبية على حياة الشخص المعاق.

وقد جاء هذا التقرير إدراكاً منا بضرورة الاهتمام بهذه الشريحة التي يمكن أن تقدم الكثير في قطاعات الحياة المختلفة، سيما أن الوقت الحالي يعتمد بشكل كبير على القدرات الذهنية والعقلية والمواهب الأُخرى التي لا يشكل العوق الجسدي مانعاً أمام من يروم العمل ومواكبة ظروف الحياة.

إن عدم وجود نظام تأهيلي لهذه الفئة في العراق، ولا فرص عمل مناسبة لهم لجعلهم ينسجمون مع المجتمع ويعيشون حياتهم بشكل مقبول؛ كل هذا يشير بما لا يدع مجالاً للشك للإهمال الرسمي لهذه الفئة الذي لا تغيب عنه الدوافع الطائفية المقيتة.

ذوو الاحتياجات الخاصة قبل الاحتلال:
على الرغم من خوض العراق حروباً عديدة منذ العام 1980م، إلَّا أن أعداد ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة في العراق لم تكن تتجاوز مليون شخص، أي أن نسبتهم كانت نحو 4% من عدد السكان. ورغم الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي إلَّا أن هذا لم يؤثر بشكل كبير على مستوى الخدمات الطبية والرعاية الصحية المقدمة لهذه الفئة المهمة من المجتمع، الذي ضحّى أفرادها وقدّموا من أجل الدفاع عن وطنهم.

وهنا سنقوم بعرض بعض شهادات ذوي الإعاقة أو أحد أقاربهم أو ذويهم التي وردت إلينا في القسم، والتي تؤكد سياسة الإقصاء والتهميش بعد 2003 على أُسس طائفية وحزبية. وللكشف عن بعض ما يتعرض له ذوو الإعاقة الذين أصبحوا كذلك خلال الحرب العراقية الإيرانية سواء من العسكريين أو المدنيين؛ نعرض لمثالين في هذا الصدد:

1. تقول أُمّ زياد - وهي والدة أحد الأشخاص المعاقين الذي كان ضابطاً في الجيش العراقي السابق، وتم بتر أطرافه السفلية بسبب الإصابة في إحدى المعارك -: إن ابنها فقد جميع ميزاته التي كان يحصل عليها، والتي كانت تمثّل له مصدراً للعيش بعد الإصابة بعد أن أخبروها في الدائرة المعنية أن الامتيازات قد أُلغيت، وبعد الإلحاح والمراجعات قال لها أحد المسؤولين: هل تريدون امتيازات بعد أن حاربتم إيران؟ وتؤكد أُمّ زياد أن هناك آلاف الحالات المشابهة لحالة ابنها. وعندما أغلقت الحكومة أبوابها بوجه زياد، اضطر للهجرة خارج العراق بعد أن قدّم معاملة لجوء إلى إحدى الدول الأُوربية، عسى أن يجد هناك ما يضمّد به جراحه النفسية قبل الجسدية.

2. أما أُمّ علي، فهي زوجة أحد الشهداء الذين قُتلوا في الحرب العراقية الإيرانية، وأُمّ لأربعة أطفال في ذلك الوقت، وقد كانت تتسلّم راتب الشهيد إلى سنة 2009م، ثم أبلغوها بتوقف الراتب لانتفاء صفة الشهيد عن زوجها لأنه قُتِلَ في حرب إيران، وفي سنة 2010م طالبوها بإعادة جميع الرواتب التي تسلّمتها سابقاً، فأرجعت جميع الرواتب كاملةً لهم مرغمةً على مدى سنين، بمجموع إجمالي تجاوز 60 مليون دينار عراقي. مع العلم أنه تم تهديدها بقطع راتبها التقاعدي في حالة عدم إرجاع الرواتب التي تسلّمتها على مدى سنين ماضية.

وذكرت أُمّ علي بأن الحكومة قامت باسترجاع المبالغ المالية التي تسلّمها ورثة الشهداء الذين سقطوا في الحرب العراقية الإيرانية بعد إجبار الموظفين الحكوميين منهم على إعادة هذه المبالغ التي بلغت في حالات كثيرة عشرات الملايين من الدنانير. وأخبروهم بأنه في حالة عدم إعادة الأموال سيتم فصلهم من وظائفهم، وبالتالي سيُحرمون من وظائفهم ورواتبهم التقاعدية لاحقاً.


ذوو الاحتياجات الخاصة في مخيمات النزوح:

تسبب العمليات العسكرية الكبرى الممتدة من 2014-2017، بنزوح قسري لنحو 6 مليون شخص (أكثر من مليون عائلة) خلال تلك المدة، هرباً من جحيم الحرب، وخوفاً من الموت تحت أنقاض القصف العنيف الذي استهدف المناطق الآهلة بالسكان، والذي لا تزال آثاره شاهدةً على حجم القوة المستخدمة من قِبَل القوات الحكومية وحلفائها والميليشيات المساندة لها، حيث لا تزال هناك عشرات المدن المهدّمة والمنكوبة التي هجرها أهلها كرهاً بعد أن غابت عنها مظاهر الحياة.

وفي الوقت الحالي هناك أكثر من مليوني نازح داخل العراق يعيشون حياة التشرد في مخيمات مهملة متناثرة في الصحراء هي أقرب إلى السجون منها إلى أماكن إيواء، وبالعودة إلى موضوع ذوي الإعاقة الاحتياجات الخاصة فإن بيانات المنظمة الدولية للهجرة ووكالات الغوث العاملة في العراق تشير إلى أن نسبة هذه الفئة بين النازحين تُقدّر بأكثر من 13%، أي: لدينا اليوم أكثر من ربع مليون شخص معاق يعيش في مخيمات النزوح، 70% منهم من الأطفال، بحسب البيانات.

وقد ذكرت منظمة اليونيسيف في أحدث تقاريرها أن ما لا يقل عن 325 ألف طفل يعيشون اليوم في مخيمات النزوح مع عائلاتهم بحاجة إلى استجابة سريعة للتعامل مع حالاتهم الجسدية فضلاً عن النفسية. والمعلوم لدى الجميع أن الاحتياجات لهذه الفئة تزيد على احتياجات الشخص السليم أضعافاً مضاعفة، وسط النقص الشديد في تمويل المساعدات الإنسانية لسكان المخيمات، الذي قدّرته الأُمم المتحدة بأكثر من 80% حالياً من المطلوب الواجب توفره، وهو يحاكي الحدود الدنيا م الاحتياجات، الأمر الذي يُنذر بخروج أزمة النزوح في العراق عن السيطرة تماماً.

وبعيداً عن الخوض في مشاكل المعاقين جسدياً من النازحين، سنتحدث هنا عن مسألة العوق النفسي، والندوب الدائمة، التي أصابت الملايين منهم، سيما الفئات الضعيفة في المجتمع، بسبب ما عايشوه من مشاهد مروّعة تترك في الأذهان تصوّرات مظلمة للحياة تستمر تداعياتها المستقبلية مدى الحياة؛ حيث أكدت تقارير منظمة الهجرة الدولية أن آثار الندوب النفسية التي أصابت الفئات الضعيفة في المجتمع في أوساط النازحين سيما الأطفال، سترافقهم مدى الحياة نتيجة تعرضهم للعنف غير المسبوق ومعايشتهم للحظات فراق ذويهم أو أقاربهم أو جيرانهم، ومشاهدة أشلاء بشرية متناثرة في الطرقات أمامهم، علماً أن هذه الندوب النفسية أصابت ملايين الأطفال في العراق بحسب ما كشفته التقارير الدولية بأن الفقر، والمعارك، وانقطاع العملية التعليمية، أو تعثّرها في أحسن الأحوال، وفقدان الرعاية الصحية والنفسية اللازمتين، سيؤدي بالبلاد إلى خسارة أكثر من جيل، الأمر الذي يُنبئ بمستقبل مظلم ومجهول.

ذوو الاحتياجات الخاصة جرّاء حرب الموصل:

استمرت حرب الموصل نحو عشرة أشهر، استخدمت فيه القوات الحكومية وحلفاؤها مختلف الأسلحة الثقيلة المحظورة في المدن، والذخائر المحرمة دولياً، سيما في المناطق الآهلة بالسكان. وما التكلفة البشرية لهذه الحرب إلَّا انعكاس لمدى عدم التزام الأطراف المتحاربة بمدى حجم القوة المستخدمة، فضلاً عن عدم التزام الأطراف المتحاربة بقواعد الاشتباك والتمييز التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني.

وفي هذا التقرير سنتناول أعداد المصابين الذين حالفهم الحظ وبقوا على قيد الحياة والذين تُقدّر أعدادهم بنحو 60 ألف شخص مسجلين لدى الدوائر الصحية الحكومية ممن تلقوا العلاج إثر إصابتهم خلال الحرب. وتشير الإحصاءات إلى أن نصف هؤلاء المصابين على الأقل باتوا من ذوي الاحتياجات الخاصة بسبب الإصابات البليغة التي تعرّضوا لها جرّاء القصف العنيف والمتواصل الذي طال معظم أحياء مدينة الموصل سيما الجانب الغربي منها.

وللوقوف على حالات ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة الذين تسببت حرب الموصل بحالاتهم، نستشهد هنا ببعض بيانات المنظمات الدولية المعنية، ومنها: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي دفعتها الحاجة إلى فتح مركز طبي خاص لتقديم الخدمات الصحية لذوي الإعاقة من أهالي الموصل والمناطق المحيطة فيها الذين أُصيبوا خلال الحرب، وذلك في مدينة أربيل المجاورة لقربها وكثرة النازحين إليها.

ووفق تقارير إدارة المركز، فإن المراكز في أربيل والموصل استقبلت نحو 29 ألف شخص من المصابين الذين أصبحوا من ذوي الإعاقات، ووفق البيانات فإن ما يقرب من خمسة آلاف هم مبتورو الأطراف العلوية أو السفلية. واستدعت الحاجة أن تكون هنالك مراكز أكثر وأقرب لتقديم الخدمات لذوي الإعاقة من أهالي الموصل، فتم إنشاء مركزين داخل المدينة بمدة زمنية قياسية من قِبَل اللجنة الدولية، قامت بعدها بتسليمها إلى السلطات المعنية للإشراف على العمل فيها.

وهذه المراكز تُضاف إلى خمسة عشر مركزاً آخر في عموم العراق تم إنشاؤها من قِبَل المنظمات الدولية لتقديم الخدمات لهذه الفئة بالذات، علماً أن الدوائر الحكومية المختصة تقوم بالإشراف على عمل المراكز فقط، أما دعم هذه المراكز فإنه يأتي من الجهات الخارجية المعنية، مثل: الأُمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة أنقذوا الأطفال، وغيرها من المنظمات الإنسانية الفاعلة في العراق.

الاتفاقات الدولية والقوانين المحلية المعنية بذوي الإعاقة:
أفردت الأُمم المتحدة يوم الثالث من كانون الأول من كل عام لذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك منذ العام 1992م، لدعم هذه الفئة، ولزيادة فهم قضاياها، ودعم التصاميم الصديقة لها، من أجل تسهيل الحياة على أفرادها ورفع الوعي الشعبي في سبيل دمجهم في المجتمع قدر الإمكان.

وقد أقرت المنظمة الأُممية في العام 2008م اتفاقية دولية للإعاقة التزمت بها 175 دولة، انضم العراق إليها مؤخراً، لكن الناظر فضلاً عن الباحث لا يجد أي تطبيق لبنود هذه الاتفاقية على الأرض في العراق، فلا هيئة وطنية لدراسة وتفعيل حقوق المعاقين، ولا تمكين لأفراد هذه الفئة لإكمال دراستهم وتوسيع مداركهم، بالتزامن مع انعدام وسائل نقل عامة لهم، وغياب فرص عمل تناسبهم، ناهيك عن عدم توفير ما يحتاجه الإنسان المعاق من علاج ورعاية صحية وتأهيل نفسي، علماً أن المادة 32 من الدستور الحالي تنص على رعاية المعوقين وتكفل تأهيلهم في المجتمع.

ويُزاد على ذلك التعليمات الصادرة استناداً إلى أحكام قانون الصحة العامة والمرقمة بالرقم 2 لسنة 1998م، التي يتم بموجبها تقدير درجة العجز والعطل لدى الفئة المستهدفة. ويأتي قبل ذلك قانون الرعاية الاجتماعية رقم 126 لسنة 1980م، الذي تم تعديله ليُعرف حالياً بقانون ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013م، الذي لم تَرَ فصوله ولا مواده النور حتى الآن، ولم يتم الشروع بتحقيق أُولى أولوياته المتمثلة في تأهيل ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع. ولو نظرنا في فصول هذا القانون الثمانية لوجدنا فيها ما هو بعيد كل البعد عن مفهوم الرعاية، حيث ينص على: يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة أو يُغرم بغرامة لا تقل عن 500 ألف دينار ولا تزيد عن مليون دينار، كل شخص معاق يقوم بالتسول في الأماكن العامة.

والسؤال الكبير بحسب مراقبين هو: ما الذي تم توفيره لهذه الفئة كي يجرؤ المشرع على إدراج هذا النص ضمن قانون يدّعي رعاية هذه الفئة المهمة في المجتمع؟.

قسم حقوق الإنسان
١٨ ربيع الأول 1440 هـ 
26 / 11/ 2018م