هل يمكن تطبيق العدالة الانتقالية في العراق؟ .. هيفاء زنكنة

  • مقالات
  • 248 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 30-10-2018 02:47 مساء

هل يمكن تطبيق العدالة الانتقالية في العراق؟

هيفاء زنكنة

تحيلنا تعدد مصادر القوة والعنف، في عراق ما بعد الغزو الانكلو امريكي، ما بين الميليشيات وأحزابها وحكوماتها، الى تنوع أساليب طمس الحقيقة، من الإعلامي التضليلي، الناعم، الى الوحشي المتبدي باختفاء المعارضين والاغتيال والاعدامات الجماعية، بعد استخلاص اعترافات تلفزيونية عن تهم مختلقة.

ذلك كله يمر بلا عقاب، على الرغم من توفر قوائم بأسماء من تم اختطافهم، وتصفيتهم من الأكاديميين والصحافيين والعلماء وأئمة المساجد اثناء وجود قوات الاحتلال، بشكل مباشر، أو غير مباشر عبر المتعاونين معه من ساسة حكومات الاحتلال. هذه القوائم موثقة من قبل منظمات حقوقية، عراقية ـ دولية، أملا في مساءلة المجرمين في مسار تحقيق «العدالة الانتقالية»، في ظل حكومة وطنية، مستقبلا. وهو مسار تم الشروع بتنفيذ نسخة مشوهة منه، أثر الغزو وتحت الاحتلال، مباشرة، فاستخدم كأداة للانتقام تحت مسمى «اجتثاث البعث»، بأيدي ميليشيات وقوى خارجية، مؤديا الى شرعنة القتل والاقصاء، بدلا من ان يستعيد العراقيون عافيتهم الوطنية والشروع ببناء البلد المهدم.

ان تحقيق العدالة الانتقالية، ليس سهلا الا انه ليس مهمة مستحيلة. ولدينا أمثلة حققت خطوات ناجحة في بلدين عربيين هما المغرب وتونس، وبالإمكان الاستفادة من تجربتيهما إذا ما اخذنا بعين الاعتبار تمايزهما الجوهري عن الوضع العراقي، اذ يتمتع كلا البلدين بحكومة وطنية تبنت مسيرة تحقيق العدالة الانتقالية للجميع بلا استثناء، عبر حقب زمنية مختلفة تمتد، في حالة تونس، الى مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي. ولا تكون حصرا لفئة متضررة دون غيرها، كما لا يشرف عليها ذات الساسة الذين ساهموا أو أشرفوا أو كانوا في موقع المسؤولية حين ارتكاب الانتهاكات والجرائم. وهذا ما لم يتم في العراق، حين اقتصر تطبيق كيفية التعامل مع تركة الماضي، على النظر في قضايا ضحايا النظام السابق وتعويضهم وتجاهل قضايا وحقوق مئات الآلاف من ضحايا الغزو والاحتلال على مدى 15 عاما.

مما يثير تساؤلات جوهرية عديدة حول مفهوم «العدالة الانتقالية»، لا تمس فقط انتهاكات حقوق الانسان في حقبة محددة هي الانتقال من نظام دكتاتوري الى ديمقراطي. لكنها تمس، بشكل مباشر، في حالة العراق، ساسة الحكومة « المنتخبة» حاليا، استنادا الى سؤال أكثر تحديدا وهو: هل بالإمكان تطبيق « العدالة الانتقالية» في بلد محتل؟ وهل بالإمكان تنفيذها بشكل مستقل وشفاف من قبل ساسة تعاونوا مع الاحتلال ويتحملون مسؤولية الخراب المتراكم؟ الى أي حد سيكونون قادرين على كشف الحقيقة وقد انخرطوا بطمسها بدرجة أو أخرى، متغاضين عن الجريمة الأكبر، قانونيا واخلاقيا، في جميع بلدان العالم، أي التعاون مع المحتل؟

تسري هذه التهم على معظم الساسة الذين تناوبوا على استلام المناصب منذ عام 2003، ولا تستثنى منها حكومة رئيس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي، بل ربما تعنيه أكثر من غيره لأنه كان قد درس وأقام على مدى عقود في فرنسا، وهو أدرى من غيره بمعاقبتها الصارمة للمتعاونين مع الاحتلال النازي، الى حد دفع الرئيس شارل ديغول الى تأسيس المحاكم الاستثنائية الفرنسية سنة 1944، لا بهدف محاكمة المتعاونين مع الاحتلال النازي باعتبارهم قد ارتكبوا جريمة خيانة تخل بالوطنية، فحسب، بل لوضع حد لفوضى التصفيات خارج القانون. يعرف القانون الفرنسي جريمة خيانة الوطن بانها «القيام عمدا سواء بفرنسا او بالخارج بتقديم دعم مباشر او غير مباشر لألمانيا وحلفائها او الاضرار بوحدة الامة او بحرية الفرنسيين او بالمساواة فيما بينهم». الا تنطبق هذه المواصفات على المتعاونين مع الاحتلال سواء من خارج أو داخل العراق خاصة وانه كان قد صنف بانه « محتلا» بقرار من الأمم المتحدة؟

ولا بد ان عبد المهدي يعرف سلم العقوبات الذي حدده ديغول ليضع على رأسها الحرمان من حق الانتخاب والترشح للانتخابات والحرمان من الوظيفة العمومية او شبه العمومية ومن الوظائف السيادية. وسلكت تونس المسار نفسه فكان قانون «تحصين الاستقلال» الصادر عام 1957، الذي تم فيه تعريف المتعاون، تفصيلا، بانه “كل تونسي تعمد اعانة سلطات الحماية بصفة مباشرة او غير مباشرة قبل 31 تموز/يوليو 1954… وكل من باشر وظيفا في مصالح الامن او الصحافة او الاخبار وكل من شارك في المجلس الكبير او مجالس الاعمال او المجالس البلدية… وكل من شارك في تنظيم مظاهرة فنية او اقتصادية او سياسية او غيرها لفائدة الاستعمار». وجاء الحرمان من المشاركة بالانتخابات تصويتا وترشحا والحرمان من جميع الوظائف العمومية من أولويات العقوبة. فلماذا لم يتم الأخذ بهذه العقوبات إزاء المتعاونين العراقيين مع الاحتلال بل وباتوا يحتلون ذات المناصب التي يجب ان يحرموا منها؟

هذه العقوبات تم تطبيقها، فعلا بالعراق، ولكن وفق قانون المحتل فكان قانون «اجتثاث البعث» الذي أصبح خلافا للتجربة الفرنسية بعد التحرير والتونسية (1956 ـ 2011) حملة تطهير منهجية، كما وصفها تقرير المركز الدولي للعدالة الانتقالية: «إرث مر… دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق». وشكلت حملة التطهير الخلفية لتأسيس « الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» في عام 2008، التي لم تضع حدا زمنيا لعملية اجتثاث البعث، وبقي عملها، كما هو معنيا بملاحقة المتهمين بالانضمام الى حزب البعث، وان تخللها النظر في إعادة المفصولين ظلما الى وظائفهم، في ظل مناورات وصفقات سياسية في فترات الانتخابات، على الرغم من اسمها المقترن الى حد ما بالعدالة الانتقالية والمفترض ان يشمل انتهاكات وجرائم الحقب السياسية المختلفة.

إن أعمدة العدالة الانتقالية ترتكز على إظهار الحقيقة والمساءلة والمحاسبة والحيلولة دون تكرار الانتهاكات وانصاف الضحايا والمصالحة وان يتم ذلك وفقا لمعايير مقررة وطنيا. وهي النقطة الأكثر أهمية التي تعيدنا الى السؤال الملح: ماذا عمن تعاون مع المحتل، وماذا عن جرائم المحتل نفسه وكل الاضرار التي سببها؟ هل بإمكان المتعاونين معه مطالبته بالتعويضات، قانونيا، من اجل انصاف الضحايا؟

 

ـ صحيفة القدس العربي