تقرير خاص: التهجير القسري، جريمة مزمنة في العراق ما بعد الغزو الأمريكي

تقرير خاص: التهجير القسري، جريمة مزمنة في العراق ما بعد الغزو الأمريكي

من أصل 15 محافظة تسيطر عليها الحكومة في بغداد، 9 محافظات عراقية شهدت إبّان الاحتلال أكبر عمليات تغيير التركيبة السكانية على أساس طائفي، لا سيما العاصمة بغداد والمناطق المحيطة بها المعروفة باسم (مناطق حزام بغداد)؛ ويظهر في الخارطة حدود المسار الوهمي الذي ارتسمته إيران عبر العراق وصولاً إلى سورية والأُردنّ والسعودية

بدأت أبرز ملامح التغيير الديموغرافي في العراق منذ العام 2006، وبحسب إحصاءات ضحايا العنف الجاري في العراق بعد الاحتلال، نجد أن تلك السنة قد شهدت أشرس الممارسات الطائفية وأوسعها نطاقاً، التي تنتهجها الأجهزة الحكومية والميليشيات المساندة لها، حيث تجاوز عدد الضحايا المدنيين لتلك الهجمات – لاسيما بنيران الميليشيات الموالية لطهران – في تلك السنة 34 ألف مدني، فضلاً عن إحداث تغييرات ديموغرافية لعشرات القرى والمدن والبلدات الواقع معظمها ضمن المسار الوهمي الذي ارتسمته إيران عبر العراق وصولاً إلى سوريا والأُردنّ والسعودية، والذي تعمل على تنفيذه حكومات الاحتلال المتعاقبة التابعة لطهران والميليشيات الموالية لها، في محافظات ديالى والتأميم وصلاح الدين ونينوى وبابل والأنبار وذي قار والبصرة، فضلا عن مناطق واسعة من العاصمة بغداد ومحيطها.

استمرار استهداف مناطق حزام العاصمة بغداد (الطارمية نموذجاً)
في حلقة هي الأحدث في سلسلة جرائم التهجير القسري لمناطق واسعة في العراق، وضمن مخطط يجري تنفيذه بهدف تغيير التركيبة السكانية لتلك المناطق، سيما العاصمة بغداد والمناطق المحيطة بها المعروفة باسم (مناطق حزام بغداد)، التي بات أهلها -من العرب السُنَّة- يخضعون بشكلٍ شبه يومي إلى إجراءات حكومية تمييزية واعتداءات صارخة من شأنها التضييق على سكان تلك المناطق، ومفاقمة معاناتهم، وحرمانهم من ممتلكاتهم وسبل عيشهم، ودفعهم دفعاً إلى ترك مناطقهم، نقلاً عن سكان محليين لمندوب (قسم حقوق الإنسان) في هيئة علماء المسلمين؛ قامت القوات الحكومية، تحديداً اللواء 59 في الجيش الحكومي تساندها ميليشيا العصائب وعناصر من الحشد العشائري في الطارمية بتاريخ 14 محرم 1440هـ الموافق 23 أيلول 2018م، بحرق بساتين خاصة وإتلاف أحواض الأسماك فيها في منطقة (كف علي) التابعة لقضاء الطارمية شمالي العاصمة بغداد، بالتزامن مع إطلاق عبارات استفزازية وألفاظ طائفية من قِبَل عناصر تلك القوات والميليشيات المساندة لها؛ الأمر الذي تسبب بوقوع خسائر مادية تقدر بمئات الملايين من الدنانير، ناهيك عن فقدان عشرات العائلات من ذوي الدخل المحدود لمصادر عيشهم الوحيدة.

وتشهد المدن والقرى المستهدفة ضمن مخطط تغيير التركيبة السكانية الجاري تنفيذه في العراق بأساليب مختلفة، من المضايقات والإجراءات الحكومية التعسفية، التي من شأنها التضييق على سكان تلك المناطق ومفاقمة معاناتهم ومحاربتهم معنوياً، فضلاً عن فرض حظر التجوال بين حين وآخر، والاعتداءات الصارخة على ممتلكاتهم ومصادر عيشهم، ناهيك عن الإذلال الذي يتعرض له السكان المحليون، والشتائم التي توجهها القوات الحكومية إليهم، وتهديدها لهم بشكل مباشر وغير مباشر؛ ما يؤكد السياسة الطائفية التي تنتهجها الحكومة في بغداد، والرامية إلى إشاعة الخوف والرعب بين صفوف المدنيين وإجبارهم على إخلاء مناطقهم والهجرة منها، بحسب السكان المحليين.

بحسب مصادر خاصة؛ فإن القوات الحكومية وميليشيا الحشد المساندة لها مستمرة في ارتكاب الانتهاكات والجرائم بحق أهالي مناطق حزام بغداد بشكل عام، ولا سيما أهالي القرى والبلدات التابعة لقضاء الطارمية، حيث نقل شهود تعرّض السكان المحليين لإجراءات حكومية تعسفية على أساس طائفي بحت وحظر للتجوال تفرضه السلطات المحلية على المناطق المستهدفة بشكل متكرر.

وأكدت المصادر قيام قوات حكومية بعزل عدد من قرى ونواحي الطارمية للمدة من 2-11/9/2018، ولا سيما منطقة (البو ياسين)، بعدما قطع الجيش الحكومي الطرق المؤدية إليها، وفرض عليها إجراءات مشددة وسط تحليق منخفض لمروحياته العسكرية، فيما داهمت قوات حكومية مصحوبة بميليشيات طائفية منازل المواطنين في قريتَي (حصيوة) و(البشاوي) واعتقال العشرات بشكل عشوائي، وما رافق تلك المداهمات من إخضاع الأهالي للإذلال وكَيل الشتائم لهم وارتكاب الانتهاكات بحقهم.
ويعاني أهالي مناطق حزام بغداد عموماً من قيام السلطات الحكومية بعسكرة مناطقهم وفرض حظر التجوال من حين لآخر، في الوقت الذي يؤكد مراقبون أن هذه الإجراءات ومثيلاتها تأتي في سياق مخطط إيراني يرمي إلى تغيير ديموغرافية مناطق حزام بغداد وغيرها من المناطق في المحافظات المستهدفة، الذي تعمل حكومات العراق المتعاقبة في ظل الاحتلال على تنفيذه منذ سنوات.

جرائم إخفاء قسري:
مع مطلع العام الحالي، قامت عدة ميليشيات موالية لإيران بتنفيذ حملات دهم واعتقال غير قانونية في مناطق حزام بغداد، ولا سيما في المناطق الشمالية من الحزام - بعد أن انتهت من المناطق الجنوبية والغربية والشرقية منه خلال السنوات الماضية – مثل: الطارمية، والمناطق المحيطة فيها، والقرى التابعة لها، وكذلك مناطق ذراع دجلة، والتاجي، وأجزاء من أبي غريب، وصدر اليوسفية، واليوسفية، والمحمودية، والإسكندرية، والمشروع، قامت خلالها باعتقال عشرات المدنيين دون ذكر المبررات، ومصير هؤلاء المعتقلين لا يزال مجهولاً في ظل إنكار السلطات الحكومية حصول هذه الأحداث، ورفض المحاكم الاستماع لذوي الضحايا والنظر في شكاواهم. فضلاً عن قيام تلك الميليشيات بأعمال سلب ونهب للممتلكات الخاصة للضحايا، وإحراق بساتينهم وأراضيهم الزراعية، لحرمان ذويهم من فيئها، بحسب ذوي عدد من ضحايا الإخفاء القسري، الذين تحدثوا إلى مندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة، تم توثيق شهاداتهم من قبل القسم.

اغتيالات متواصلة في وضح النهار:
بحسب مصادر خاصة؛ تم في 14/5/2018، اغتيال السيد (عامر المشهداني)، الموظف في ديوان الوقف السني، على أيدي مسلحين مجهولين في منطقة الطارمية التي تسيطر عليها الميليشيات الطائفية بشكل كامل.
وفي يوم 16/5/2018 تم استهداف خيمة العزاء من قِبَل شخص مجهول قام بتفجير نفسه داخل الخيمة، الأمر الذي أدى إلى قتل 13 شخصاً، وإصابة عدد كبير من المعزّين المتواجدين في تلك اللحظة. وبعد الانفجار قام مسلحون يستقلون سيارة (كيا) بفتح نيران أسلحتهم باتجاه الخيمة مستهدفين المعزّين، ولاذوا بعدها بالفرار باتجاه الحاجز الأمني الذي تقيمه القوات الحكومية والميليشيات المساندة لها، والذي يبعد أقل من كيلو متر واحد عن مجلس العزاء.

ومع تعقّب الأهالي للمسلحين، قام المسلحون بإطلاق عيارات نارية باتجاه ملاحقيهم أمام مرأى ومسمع القوات الحكومية، واستطاعوا عبور الحاجز الأمني دون أن يستوقفهم الجنود المتواجدون في الحاجز، علماً أن أهالي المنطقة أنفسهم لا يستطيعون عبور الحاجز المذكور دون تفتيش دقيق يطال الجميع حتى النساء والأطفال، يزاد على ذلك أنه مقابل خيمة العزاء يوجد برج مراقبة أمني تابع لقوات الجيش الحكومي ينتشر فيه القناصون، مع ذلك لم يحرك المتواجدون في البرج ساعة الهجوم ساكناً رغم سماعهم للانفجار وإطلاق الرصاص من قِبَل المسلحين، ناهيك عن أن الطريق المؤدي إلى البرج مزود بكاميرات مراقبة بمستوى عالٍ لتسجيل ما يحدث في الأرجاء، ولكن الغريب في الأمر أن القائمين على أجهزة المراقبة أبلغوا السكان المحليين – بحسب شهود – أن الأجهزة لم تسجل شيئاً خلال الهجوم، علماً أن وجود القناصين في البرج يقيد حركة أهالي البيوت المجاورة له والقريبة منه، الذين يضيقون ذرعاً من جرّاء ذلك.

وتُعد هذه الجريمة مجزرةً أُخرى من المجازر التي تنفَّذ بحق أهالي المناطق المستهدفة من قِبَل مسلحين يستقلون سيارات يقومون بتنفيذ جرائمهم أمام القوات الحكومية التي تكتفي بالتزام الصمت، والتخلي عن واجبها المفترض في حماية المدنيين العزّل.

وتأتي هذه المجزرة بعد مرور أقل من شهر على حادثة مماثلة في قرية (البو فرّاج) التابعة لناحية (العبايجي) في قضاء الطارمية شمالي العاصمة بغداد، التي أسفرت عن مقتل 16 شخصاً على الأقل، وإصابة آخرين، بحسب حصيلة أكدتها وزارة الداخلية، والتي كانت هجوماً أشبه بحملة إعدامات جماعية الهدف منها إيقاع أكبر عدد من الضحايا المدنيين، وفق شهود محليين أكدوا تعمّد القوات الحكومية – التي تتمركز قريباً من موقع الحادث – التأخّر في التدخل وملاحقة المنفذين، وتركت الأمر بعد شروعها بالملاحقة متذرعةً بأنها فقدت أثر المنفذين بعد ابتعادهم بضعة مئات الأمتار من مشهد الجريمة، بحسب شهود تحدثوا إلى مندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة.

وفي قضاء المحاويل جنوب بغداد، بحسب مصادر خاصة، اغتال مسلحون بتأريخ (21/7/2018)، المواطن (عدنان شاكر شافي) أحد وجهاء عشيرة (البو مصطفى) في القضاء، أثناء توجهه إلى مدينة (الحلة) مركز محافظة بابل. وتمت العملية في منطقة (المجرية) شمال (الحلة)؛ حيث فتح المسلحون الذين كانوا يستقلون عددًا من العجلات، نيران أسلحتهم على المغدور حتى أردوه قتيلًا في المكان.
ومن الجدير بالذكر أن هناك جرائم اغتيال كثيرة نفذتها عناصر تابعة لميليشيا الحشد بحق مواطنين في المناطق المستهدفة، وسط تعاون ملحوظ بين القوات الحكومية وقادة الميليشيات الطائفية الموالية لإيران خلال تنفيذ تلك المحاولات، وهذا ما أكّده الشهود، فضلاً عن عشرات محاولات الاغتيال الأُخرى التي فشلت في تحقيق أهدافها، وكان فيها المستهدفون محظوظين في البقاء على قيد الحياة بعدها، علماً أنها لم تكن لتجري أو تحدث لولا حجم التسهيلات الكبير - من قِبَل القوات الحكومية - الذي تتمتع به العناصر الميليشياوية المنفذة لها، أو غض تلك القوات النظر في أحسن الأحوال.

أرقام وإحصاءات:
بحسب اللجنة الدولية لشؤون المفقودين فإن تقديرات أعداد المفقودين في العراق تتراوح من 250 ألف إلى مليون شخص، وبهذا يعدّ العراق الأول عالميا من حيث أعداد الأشخاص الذين تم إخفاؤهم قسراً، نسبة عالية منهم تعرضوا للإخفاء القسري بعد سنوات طويلة من الصراعات والحروب والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان أعقبت غزو العراق واحتلاله من قبل التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد رصد القسم أن معظم من جرى إخفاؤهم قسرياً كانوا من سكان المناطق التي يستهدفها المخطط لإحداث تغييرات في التركيبة السكانية لتلك المناطق، ولدى القسم إحصائية أولية تعنى بنسب السكان الذين أُجبروا على ترك مناطقهم، وأعداد العائلات التي مُنعت من العودة إلى مناطقهم، وأعداد القتلى من المدنيين في بعض المحافظات، فضلاً عن أعداد المعتلقين والمختطفين في تلك المحافظات، ناهيك عن أعداد المساجد التي تعرضت للهدم كلياً أو جزئياً، التي تجاوزت أعدادها 268 مسجداً في محافظات بغداد وديالى والبصرة ونينوى.

وبحسب التقديرات، فإن نحو 50% من سكان مناطق حزام بغداد - الذين تتراوح أعدادهم بين 3.25 مليون إلى 3.5 مليون نسمة - تم تهجيرهم قسراً من مناطقهم خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، والمتبقي يخضعون لمضايقات واعتداءات وحرق للبساتين وإتلاف للممتلكات بقصد اقتلاع جذورهم من أراضيهم التي ورثوها عن آبائهم كابراً عن كابر منذ قرون مضت، أو حصلوا على حق المنفعة منها بموجب عقود زراعية رسمية صادرة عن الجهات الحكومية المعنية بهذا الشأن، وسط قيام بعض الأحزاب المتنفذة بفرض واقع ديموغرافي جديد عن طريق الاستيلاء على الأراضي بتغيير العقود الزراعية ومنحها لآخرين من خارج تلك المناطق.

أما في ناحية جرف الصخر التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها منذ نحو خمس سنوات، فإنه لا يزال سكانها ممنوعين من العودة، والتقارير تشير إلى استيلاء الميليشيات على منازل المواطنين وممتلكاتهم وتحويلها إلى مراكز لهم أو أماكن توقيف غير رسمية يقبع داخلها آلاف المدنيين من الرجال والشبان وحتى الصبيان والأطفال بشبهة انتمائهم لتنظيم داعش أو الادعاء بوجود علاقة لهم بالتنظيم. وبحسب الإحصائيات فإن أكثر من 100 ألف نازح قسرياً من جرف الصخر ممنوعون من العودة من قِبَل السلطات الحكومية، ولا سيما القرار غير القانوني الذي اتخذته الحكومة المحلية في محافظة بابل القاضي بهدم منازل العائلات النازحة، التي تدّعي الحكومة أن من بين أفرادها منتمين إلى تنظيم داعش أو مناصرين له أو حتى متعاطفين معه في المحافظة، في مسعى واضح لإنهاء أمل العودة لديهم، والاستيلاء على منازلهم، وإحكام القبضة الأمنية الحكومية على مناطق شمال بابل التي تقطنها أغلبية عربية سنية، ولا سيما في بلدات الإسكندرية وجرف الصخر ومويلحة والبحيرات والخضر وغيرها، التي شهدت عمليات عسكرية واسعة شاركت فيها ميليشيا الحشد وانتهت بتهجير غالبية سكان تلك المناطق واعتقال الآلاف من سكانها بتهمة الانتماء لداعش.
وتشهد محافظة ديالى، ولا سيما المناطق المختلطة فيها، تغييرات ديموغرافية واسعة النطاق يجري فرضها بعد تهديد العائلات، ودفعهم إلى الرحيل، ووضعهم أمام خيارَين لا ثالث لهما، إما الهروب بحياتهم وحياة أُسرهم أو مواجهة الموت. وقد أحصى القسم مقتل أكثر من 78 ألف مدني بدافع طائفي في محافظة ديالى وحدها خلال المدة ما بين (2006 - 2017)، فضلاً عن اعتقال ما لا يقل عن 49 ألف شخص، واختطاف نحو 27 ألفاً من أهالي مختلف المناطق ضمن محافظة ديالى خلال المدة نفسها.

وبشأن جرائم التهجير القسري الجارية في العراق؛ قال الدكتور أيمن العاني، نائب مسؤول قسم حقوق الإنسان في الهيئة، في تصريح له على شاشة قناة الرافدين، بتأريخ 25/9/208، خلال مداخلته بشأن الأحداث الأخيرة في قضاء الطارمية والمناطق التابعة لها: إن جرائم التهجير القسري في العراق ما بعد الغزو الأمريكي مزمنة ومعقدة، خلفت أكثر من ستة ملايين نازح داخل الوطن، ومثلهم تقريبا تركوا البلاد ولجأوا إلى دول أخرى أكثر أمانا لهم ولعائلاتهم، في ظل حكومات محاصصة فاشلة وفاسدة حولت سياساتها الطائفية البلد إلى أكبر طارد للموارد البشرية في المنطقة، سيما الأطباء والعقول العلمية والكفاءات والمثقفين ورجال الأعمال والنخب المجتمعية الأخرى، مؤكداً أن هذه الحالة ستستمر مع بقاء العملية السياسية المفروضة على العراق منذ 2003 وحتى اليوم، والتي تسببت بكوارث إنسانية غير مسبوقة لمعظم أبناء الشعب العراقي، وارتكبت الحكومات من خلالها أبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق ملايين المدنيين في العراق.

أساليب متعددة للتهجير القسري
ومن خلال تتبع أساليب تنفيذ مخطط تغيير التركيبة السكانية في مناطق المحافظات المستهدفة، نجد أن أبرز تلك الوسائل هي عزل المدن عن بعضها بحفر الخنادق حولها، ولا سيما حفر الخنادق حول حدود محافظات بابل وكربلاء والنجف مع محافظة الأنبار المحاذية لها، وتهديد سكان تلك المناطق بالخطف والقتل وتنفيذ تلك التهديدات عن طريق الاغتيالات، ولا سيما الاغتيالات التي تطال وجهاء تلك المدن والمناطق من ذوي الثقل الاجتماعي والسياسي، ناهيك عن تصفية التجار وأصحاب رؤوس الأموال والتضييق عليهم ومحاربتهم بأرزاقهم، والاعتقالات العشوائية التي يجري تنفيذها دون ذكر الأسباب، والتي يكون مصير أغلب ضحاياها مجهولاً، وأخيراً تكرار ظاهرة منع النازحين من العودة إلى ديارهم ومدنهم في مناطق واسعة من المحافظات العراقية التي تقع ضمن مخطط المسار الافتراضي الذي يوصل الأراضي الإيرانية بالأراضي السورية عبر العراق.

أما في محافظة البصرة، فحسب التقديرات لم يتبقَّ سوى 10% من السكان السنة في المدن والأقضية المختلطة طائفياً، ولا سيما سكان مدينة البصرة وأبو الخصيب والزبير والفيحاء والمعقل والهارثة.

ممنوع على الأهالي العودة
منذ أكثر من 4 أعوام يعاني سكان العديد من المناطق المستعادة ضمن مناطق حزام بغداد بسبب رفض ميليشيا الحشد الموالية للحكومة في بغداد عودة العائلات النازحة عن تلك المناطق التي يُقدر عددها حالياً بأكثر من 100 ألف عائلة، بشكل مباشر وغير مباشر تحت ذرائع شتى منها وضع شروط مستحيلة التحقيق أمام عودة الأهالي، مع تهديدات صريحة بتصفيات جسدية تحت يافطة الثأر، ناهيك عن مسألة التدقيق الأمني الذي تتخذه السلطات الحكومية ذريعة لتعطيل عودة النازحين إلى مناطقهم.

وقد أحصى القسم ما لا يقل عن عشرين مدينة، ونحو 300 بلدة وقرية عراقية منتشرة في شمال وغرب ووسط البلاد وشرقها، تعرضت لعمليات توطين واسعة لآخرين محل سكانها الأصليين، وهذا يجري تنفيذه من قِبَل ميليشيات موالية لإيران نجحت إلى حد كبير في إحداث تغييرات ديموغرافية عليها بالتزامن مع ارتكاب جرائم وفظائع وانتهاكات لحقوق الإنسان انتقاماً من سكان تلك المدن والبلدات وتنفيذاً لمخططات خارجية، ومن هذه المناطق جرف الصخر، وجبلة، وناحية يثرب، والمدائن، وسبع البور من مناطق حزام بغداد، والطارمية، والدجيل، وعزيز بلد، وبيجي، والزاوية، والسعدية، وسلمان بيك، وتلعفر، والحمدانية، وآمرلي، وطوزخورماتو، وكفري، ومناطق في جزيرة الخالدية شرق الرمادي، ومناطق مستعادة في محافظة ديالى منذ 2014 استولت عليها ميليشيا الحشد، أبرزها مناطق العظيم، والمقدادية، وقرى المخيسة، وبلدات تابعة لمدن السعدية، وجلولاء، وناحية منصورية الجبل، وغيرها.

واتهمت جهات سياسية ميليشيا الحشد بمنع سكان المناطق المذكورة من العودة، إلا أن الجهات الحكومية تذرعت بأن تلك المناطق لا تصلح لعودة الأهالي بسبب مخلفات الحرب مع تنظيم داعش من ألغام وعبوات ناسفة. فيما وضعت بعض العشائر شروطاً، وفرضت غرامات مالية كبيرة يدفعها الراغبون بالعودة في صورة يتجلى فيها ضعف الحكومة في بغداد وغياب سلطان القانون في العراق ما بعد الغزو الأمريكي.

قسم حقوق الإنسان
12/ صفر/ 1440ه
21/ 10/ 2018م