أهمية السنة النبوية عند المسلمين.. د.ثامر العلواني

أهمية السنة النبوية عند المسلمين

د. ثامر العلواني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجميعن، ومن اهتدى بهديه وسنته إلى يوم الدين وبعد

فقد استقر في عقول المؤمنين وقلوبهم أن السنة النبوية - وهي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير - هي أحد قسمي الوحي الإلهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها القسم الثاني بعد كتاب الله عز وجل (القران الكريم) قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ).

          لذلك فالسنة النبوية من أهم مصادر التشريع الإسلامي، ولها مكانتها العظيمة السامية، كونها الأصل الثاني بعد القرآن الكريم، فهي الموضحة لمجمله، الشارحة لألفاظه ومبانيه، المفصلة لقواعده، وهي في ذات الوقت مشرِّعة لكثيرٍ من الأحكام والآداب بصورة مستقلة؛ فتعاليمه _صلى الله عليه وسلم_ ووصاياه تلازم المسلم منذ ولادته بل وقبل أن يخلق، فالشخصية الإسلامية تُبنى وتتكون ثقافتها وفكرها وخلقها من السنة النبوية التي أوحى الله بها إلى نبيه عليه الصلاة والسلام.

  ولا يمكن للدين أن يكتَمِلَ، إلا بأخذ السنة جنبًا إلى جنب مع القرآن الكريم، ولذلك جاءت الآيات الكثيرة الدالة على حجية السنة، ووجوب متابعة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وطاعته، والتحذيرِ من مخالفته وتبديل سنته: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) الآية. وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). 

    ولأهمية السنةِ النبوية عند المسلمين، كونها النبع الصافي والمرجع الوافي الذي ينهل منه المسلمون لبناء أنفسهم ومجتمعاتهم، ولأنها تحتم على المسلم مواجهة العدو بكل أثوابه وأشكاله، ومنها العولمة الغربية الاستعمارية، والبدعية المنحرفة لبعض الطوائف، والأفكار الشخصية لبعض المنتمين للإسلام؛ أُعيد مهاجمتُها في عصرنا الحاضر، والحقيقة أن هذه المهاجمة امتدادٌ وتكرارٌ مجٌ لعصور سالفةابتدأت بمطاعن المشركين وافتراءاتهم على _النبي صلى الله عليه وسلم_ فشُنت على السنة النبوية حملاتٌ شرسة، بأشكال ومستويات مختلفة ومتعددة؛ ابتدأت بالطعن بخير البشر محمد عليه الصلاة والسلام، مرورا بصحابته الكرام العدول رضوان الله عليهم جميعًا، ثم توجهت تلك السهام إلى الأحاديث النبوية الصحيحة ومناهج المحدثين؛ للطعن في مضمونها، وهؤلاء هم الحامون الحاملون للسنة النبوية بتمامها من غير زيادة أو نقصان، وبلَّغ الشاهد منهم الغائب، وتحملها الرواة العدول منهم وأدَّوها إلى أمثالهم من الحفاظ والفقهاء، ويكفيهم ويكفينا فخرا بأنهم كانوا سببًا في تميُّز هذه الأمة عن باقي الأمم باتصال سندها بالحفظة العدول، وهذا الفعل من أعظم الأعمال في الدفاع عن السنة النبوية؛ ولذلك حاول ويحاول أعداء الإسلام قطع الصلة بين المسلمين والسنة النبوية، لما لها من دورٍ كبيرٍ في حياة الأمة، كونها تحمل في طياتها ثروة فكرية وتشريعية عظيمة؛ فهي منهج حياة متكاملة تهتم بالروح والجسد، يخشاها أعداء الإسلام؛ لذلك هم يحملون معاول الهدم للقضاء على الشخصية المسلمة وسلخها عن سنة نبيها عليه الصلاة والسلام، وتشويه سيرته وأخلاقه العظيمة؛ لينفروا الناس من اتباعه أو الاطلاع على تعاليمه، وكأنهم تواصوا مع المشركين قبل أكثر من1400 عام على ذلك، مع علمهم بوهن التهم وهزلها إلا أن تشابه القلوب والأفعال والعداء للإسلام بين المتقدمين والمتأخرين في الضلال والطغيان والبهتان يوهم الوصية بينهم، وقد صور القرآن هذه الحقيقة فقال تعالى:  (أَتَوَاصَوْا بِهِ * بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)

ولم يكتف أعداء الإسلام بهذه المحاولة بل زادوا على ذلك محاولة استبدال السنة النبوية في عصرنا الحاضر ولو بالقوة بنظريتين ماديتين منحرفتين هما النظرية الداروينية، والفرويدة، المبنية على الفلسفة المادية البحتة وقطع كل صلة للأرض بأي قوة خارجة عنها، وبالتالي إنكار الإله الحي القيوم، وذلك يستلزم إسقاط كل القيم الأخلاقية أو الروحية، كما تنفي عبادة الخالق الذي أنشأ الكون بقدرته وحكمته، ويحاول دعاة العولمة والعلمانية فرضها وبناء مجتمع يسعى جاهدا لتلبية رغباته وشهواته الحسية دون اعتبار للقيم الأخلاقية والفطرة الإنسانية الموافقه للسنة النبوية، التي تدفع الإنسان للتنازل عن شيء من متعته استجابة لقيمة عالية، أو إشراك الآخرين فيها كونهم شركاء في الإنسانية وتكامل الحياتية.

لذلك قدّم العلماء قديمًا وحديثًا كلَّ ما لديهم لردِّ المطاعن الموجه للسنة النبوية، وقد بذلوا في ذلك الغالي والنفيس ابتداء من صحابة النبي رضي الله عنهم وإلى يومنا هذا، اتباعا لمنهج القرآن في رده مطاعن المشركين وافتراءاتهم التي رُمي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يمثل السنة بكليتها، فقالوا عنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون..  فردَّ الله عليهم شبهاتهم ومطاعنهم، فقال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)، وقال تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) وقال تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ).