تحت مظلة الأولويات.. تطوعات العبادة وإغاثة المحتاج.. د.عماد الجبوري

تحت مظلة الأولويات.. تطوعات العبادة وإغاثة المحتاج

د. عماد الجبوري

أشار إلي أحد الزملاء في مواقع التواصل الاجتماعي، يطلب مني أن أدلي برأيي في مسألة نقاشية كثر الأخذ والرد فيها بين المعلقين، حول أيهما أولى، الأضحية والعمرة والسنن والمستحبات وإقامة بعض الشعائر الدينية أم التصدّق بالمال على الفقراء والمحتاجين.

ولا أخفيكم أنني حين وصلتني الإشارة أخذت نفسًا عميقا لأستزيد من كمية الأوكسجين في محاولة للولوج في خضم هذا البحر الهادر من الآراء، ولكن وأنا أقرأ المسألة والردود عليها؛ تذكرت مكالمة هاتفية قبل أيام معدودات من صاحب يعمل متطوعا في المنظمات الإغاثية، يحكي لي فيها قصصا أقرب إلى الخيال عن حال الناس وما آل إليه كثير منهم، وآخرها كانت عن أسرة بلا معيل –أم وبناتها- يقول: زرناهم ليلا؛ لنرى ما تحتاج إليه هذه العائلة وما يمكن لنا أن نوفره لها، فتجولنا في المنزل الذي لم نر فيه سوى الجدران، وليتها كجدران منازلنا، لم نجد في هذا المنزل ما يمكن أن نسميه من مقومات الحياة، تألمنا كثيرا وخرجنا من عندهم على أمل الرجوع اليهم ونحن نحمل لهم بعضا مما يمكن أن يدخل الفرحة إلى قلوبهم، وما يمكن أن يسد رمق العيش لأيام قلائل.

ويواصل صاحبي: ورأينا بنتا لا تتجاوز العشر سنوات من العمر وقد أصابها السعال، ومع كل نوبة سعال يكاد قلبها أن يخرج من صدرها، فنظرت إلينا الأم نظرة العزيز منكسر القلب، فسألناها عن السبب؛ فقالت لنا الأم: لا أملك أجرة الطبيب ولا أستطيع توفير الدواء لها، فقلنا لها على الفور، اذهبي إلى الطبيب الفلاني والصيدلية الفلانية والحساب مدفوع .. ولكن هذه المرأة لم تستطع الوصول الى الطبيب لا هي ولا ابنتها المريضة.. أتدرون لماذا؟ لأن صاحب الدار التي تسكن فيها هذه الأسرة جاءها عقب زيارة وفد الإغاثة مطالبا افراغ داره؛ لحاجته الماسة إليها ما أدى الى إهمال البنت والانشغال بالبحث عن مأوى جديد يسترها وبناتها؛ فماتت البنت المريضة خلال مدة البحث عن دار... قد يكون حل مأساة هذه المرأة لا يتجاوز العشرين دولارا ثمنا لعلاج ابنتها، وقد تكون خمسون دولارا ثروة بالنسبة لها تستطيع تأمين قوتها وقوت عيالها لمدة شهر كامل، يا ترى كم أسرة من أمثال هذه الأسرة في الموصل والأنبار وصلاح الدين وغيرها من المناطق المنكوبة؟

أعود لصاحبي الذي أشار إلي في مسألته ويريد مني أن أدلي بدلوي، وأضيف رأيي، وأنا حبيس في أمثال هذه القصص المؤلمة، ولعلني أقول: أليس الإنسان بنيان الله في الأرض، أليس من ضروريات الشريعة الإسلامية الخمس، حفظ النفس، أليست الشريعة الإسلامية أباحت أكل الميتة بما يسد الرمق؛ لتحيا النفس البشرية، أليست الشريعة الإسلامية أباحت التلفظ بالكفر والقلب مطمئن بالإيمان إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك.

أليست وأليست وأليست بما لا يسع المقام لذكره.....

ولكي لا أكون في حيدة عن الإجابة باكتفائي بتسليط الضوء على مأساتنا، دعني يا صاحبي ويا عزيزي القارئ أن أنقل في هذا السياق بعضًا من أقول أهل العلم حيث نقلت كتب الفقه والعبادات عنهم قولهم: إذا دار الأمر بين الأضحية وقضاء الدين عن الفقير، فقضاء الدين أولى، لاسيما إذا كان المدين من ذوي القربى.

وهنا أعود وأذكّر فكيف بالنازحين والمهجرين والمنكوبين في الموصل وغيرها.

ويقول سيدنا بلال رضي الله عنه: لئن أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبر أحب إليَّ من أن أضحي بها.

ويقول ابن تيمية، وهو يتحدث عن حج التطوع:

وأما إن كان له أقارب محاويج -محتاجون- فالصدقة عليهم أفضل، وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته، فأما إذا كان كلاهما تطوعا فالحج أفضل لأنه عبادة بدنية مالية وكذلك الأضحية والعقيقة.

وخلاصة القول في بسط هذه المسألة إن استثمارك بأخيك الانسان رعاية وعناية وسترا وعونا له على المعضلات لهي في رأي أهل العلم أولى والنصوص السابقة تدل على ذلك، وما أحوجنا اليوم الى تفعيل فقه الأولويات وفقه الخطوة المناسبة وفقه مد يد العون لإخوانك وأن نكون مجتمعا متراحما لنعبر جميعا الى ضفة الأمان، لك أن تجمع المال لإقامة الفروض ولكن حين تكون الاعمال التعبدية تطوعا فما عليك سوى الموازنة بينها وبين من يحتاج إليك وأنت تملك ما يحتاجه، بل فائض عن حاجتك وأخشى أن لا ندخل في دائرة الايمان التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع..

 

ـ مقال خاص بموقع الهيئة نت.