ألاعيب تعويم العملية السياسية.. طلعت رميح

ألاعيب تعويم العملية السياسية

بقلم طلعت رميح

شهدت الأيام الأخيرة في العراق،  سلسلة من الألاعيب السياسية والإعلامية المتنوعه،  هدفها المباشر والبعيد ـ معًا ـ هو تعويم العملية السياسية بعدما تعرضت لضربة قاصمة خلال الانتخابات الأخيرة،  أهم معالمها تصاعد وعي الشعب العراقي إلى درجة إبراز موقف رافض للمشاركة فيها وهو ما ظهر جليًا في تدني نسبة الذهاب لصناديق الانتخابات إلى درجة أفقدت اللعبة الانتخابية  والعملية السياسية أفق استمرارها في أداء دورها كسلطة يختفي خلفها الاحتلال.

كانت أهم الالاعيب الساعية إلى تعويم العملية السياسية،  لعبه متقنة على نحو ما،  إذ جرى تصوير وتقديم فوز الصدر وتحالف (سائرون)،  باعتباره نموذجًا لإمكانية التغيير في العراق من خلال الانتخابات؛ صوروا وقدموا الصدر (وميلشياته) باعتبارهم وطنيين يرفضون السيطرة الإيرانية،  ووصفوهم بأنهم ضد الطائفية،  ويسعون لأجل تشكيل حكم غير طائفي وأنهم الطريق لتحقيق المواطنة ..الخ. ويأتى سبب القول بإتقانها لسابق خوض الصدر وأتباعه مظاهرات سياسية هتف خلالها بعض المتظاهرين بخروج إيران من العراق،  ولتركيز الصدر لفظيًا قبل الانتخابات على رفض الطائفية (فيما هو عنوان لها)،  أرادوا أن يقولوا للناس: أرايتم كيف يمكن اختراق العملية السياسية لإعادة تشكيل حكم وطني في العراق؟ وأرادوا أن يقولوا: لو أن المقاطعين ذهبوا للانتخابات لكان العراق الآن في طريقه لتحقيق حكم وطني غير طائفي،  وإن العملية السياسية ليست غطاء لاحتلال العراق بل أداة لتشكيل وبناء نظام وحكم سياسي نابع من إرادة الشعب عبر صناديق الانتخاب.

وفي لعبة ثانية،  جرى استثمار صرعات النخب المتعاونة مع الاحتلال، للترويج الحرص على شفافية ونزاهة العملية الانتخابية (والسياسية) غير الشفافة أصلا، وجرى الذهاب إلى البرلمان ودفع البعض فيه لرفع الصوت ضد تزوير الانتخابات، وأخذوا قرارات بإعادة العد والفرز، وإقالة الهيئة العليا للمفاوضات وذهبوا للمحكمة الاتحادية وأصدروا قرارات أرادوا أن يقولوا للناس فيها؛ إن الحرص بالغ على عدم تزوير الانتخابات، وإن النظام القائم في العراق – إذا جاز الوصف وهو غير جائز- قادر على تصحيح التجاوزات والأخطاء، وأرادوا القول بأن المشكلة هي في اللجنة المشرفة على الانتخابات وأن البرلمان والقضاء صححوا الموقف.

وفي اللعبة الثالثة، جرى تصدير صورة مصنوعة تضليلية لعملية تشكيل الحكومة بديلاً عن الصورة الحقيقية، فاذ هي عملية تجري وفق تقاسم حصص ومصالح بين المحتلين الأمريكي والإيراني عبر وكلائهما في العملية السياسية، فقد جرى تقديمها في صورة العملية التي تجري وفق اتفاقات على المبادىء والأفكار والسياسات، لا المصالح الطائفية والحزبية والشخصية، وجرى تقديم اللقاءات بين أطراف ميلشياوية وطائفية باعتبارها قائمة على اتفاقات وتفاهمات سياسية وعلى مبادىء عدم المحاصصة الطائفية وبعيدًا عن مصالح هذه الأطراف!.

لكن كل تلك الألاعيب سقطت وانتهى أثرها، فلعبة تقديم الصدر و(سائرون) كمشروع عابر للطائفية ورافض لها تبددت بعدما عقد الصدر لقاءاته مع ميلشيات طائفية تحقق مصالح المحتل الإيراني، وباعتبار الصدر نفسه هو من وصفها بالميلشيات الوقحة، كما أعاد أهل العراق التذكير بالممارسات الإجرامية لميلشيات الصدر.

ولعبة إعادة العد والفرز وإبراز الحرص على الشفافية وجهت لها عملية حرق الصناديق ضربة قاصمة هي الأخرى، إذ كيف سيكون العد والفرز اليدوي لأوراق حرق الكثير منها، كما تحدث الكثيرون عن أن التزوير جرى بطرق متعددة لا يكشفها الفرز اليدوي، بعضها تتعلق بمناطق سيطرت فيها الميليشيات بقوة السلاح على المصوتين ولجان الانتخابات وأكرهوا خلالها المصوتين على التصويت تحت التهديد لقوائم الميليشيات، وبعضها جرى عبر التصويت المباشر لأفراد الميلشيات في الصناديق نيابة عن المصويتين.

وهكذا ضربت لعبة تشكيل حكومة غير طائفية، بالكشف عن تفاهمات بين أربعة من الكيانات الموالية لإيران، لتقسام المواقع والمصالح .

وفي كل الأحوال فالأمر المهم الذي ينبغي التذكير به دومًا والتشديد عليه هو أن كل تلك الألاعيب لتعويم العملية السياسية لم تقترب من جوهر دور العملية السياسية؛ ليس فقط لأن نتائج اللعبة الانتخابية جاءت محكومة بقرار الاحتلال بنسب تمثيل الشيعة والسنة والأكراد - وهو ما لم يعترض عليه أحد من الفائزين أو المهزومين - ولكن أيضًا باعتبار كل ما جرى ولا يزال يجري هو تحت سقف الاحتلال أو تحت سقف بقاء الاحتلال، وتلك هي الإشكالية الكبرى، والفكرة الكاشفة لجوهر العملية السياسية ولدور العملية السياسية التي تمثل الغطاء الأهم والأخطر لبقاء واستمرار بقاء الاحتلال.

 ـ مقال خاص بموقع (الهيئة نت).