بلاد الرافدين تعطش والساسة مشغولون بمقاعد البرلمان

بينما تعرف بلادنا بالرافدين وفي الكتب اللاتينية تسمى ميسوبوتيميا وتعني بلاد ما بين النهرين، وطالما تغزل الشعراء بانهارها ونظموا القصائد بجمال نهريها، لكن يبدو ان العراق سيعطش لاول مرة في تاريخه، كيف لا والبلاء اصابه بكل اركانه منذ مجيء المحتل واذنابه، ولا يشغل ساسة المنطقة الخضراء اليوم الا نتائج الانتخابات وانتزاع المقاعد البرلمانية من بعضهم البعض، والتدافع مستمر بين الاحزاب والكتل السياسية تقاتلا على الاصوات، دون الاهتمام بشريان الحياة النابض.

قضية السد التركي القديمة الجديدة، التي كانت محط جدال وحوار ومخاوف وهواجس العراقيين من مشاهد نهر دجلة وهو يسير بنبض خافت وعلى وشك ان يفقد جريانه، ويتحول الى بركة لا تكد ترى منها اثر في المحافظات الجنوبية.

القصة بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي حين اقترحت تركيا بناء سد (إليسو)، وهو مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية، الا انها بدأت ببنائه عام 2006 على نهر دجلة بالقرب من قرية (إليسو) على طول حدود محافظتي ماردين وشرناق في تركيا، وانتهت منه وافتتحته في شباط 2018، وبدأت بملء خزانه المائي في اوائل شهر حزيران الحالي، وقد قام نظام الرئيس (صدام حسين) برفض بناء هذا السد في نهاية الثمانينيات مهددا باطلاق الصواريخ ضد الجانب التركي.

من جهته، صرح السفير التركي في العراق (فاتح يلدز) ان بلاده قامت بتأجيل خزن المياه في سد (إليسو)، وان التأجيل كلف تركيا الكثير، لافتا في مؤتمر صحفي عقده في بغداد الى انه في اثناء زيارة رئيس الوزراء الحالي (حيدر العبادي) لنا عام 2017، ابلغناه اننا اكملنا السد ونستعد لملئه، وان خزانات السد ستمتلئ في اقل من سنة وليس كما يروج في بعض وسائل الإعلام ان الملء سيتجاوز الخمس سنوات، مشددا على ان ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي من جفاف نهر دجلة سببه هو جفاف منابع النهر وربطها بملء السد هو غير صحيح، على اعتبار ان يومين من اغلاق الماء والبدء بملء السد من غير المعقول ان يجعل نهر دجلة جافا في بغداد بهذه السرعة.

كما نفى السفير التركي ما تم تداوله على مواقع التواصل حول تخصيص نسبة (75%) من المياه لنهر دجلة و(25%) للسد، ولم يتم الاتفاق لحد الآن مع الجانب العراقي على اطلاقات النسب، تنما تم الاتفاق على اطلاق كميات من المياه حسب الحاجة المطلوبة، مؤكدا ان الهدف من انشاء السد هو لتوليد الطاقة الكهربائية وليس للسقي والارواء، وبعد خزن المياه سنبدأ بتوليد الطاقة وستطلق المياه اوتوماتيكيا بعدها.

وبينما يترقب المواطن العراقي تطمينات من الحكومة او توضيحا فيما اذا كان النهر سيجف فعلا ام لا، خرج وزير الموارد المائية (حسن الجنابي) بتصريح خجول بأن تركيا خالفت اتفاقات التنسيق المشترك بين البلدين بخصوص تخزين المياه في سد (إليسو)، وان هناك اتفاقات بين العراق وتركيا وتنسيق مسبق لتأجيل ملء السدود بعد التشاور والاتفاق مع العراق، لكن الجانب التركي بدء بملء السدود في الاول من شهر اذار الماضي، دون ان يفسر (الجنابي) ما يحدث من صور اصابت المواطنين بالهلع، موصيا بترشيد استهلاك الماء وشراء خزانات للتهيئ لنقص الماء، في خطاب استخف بحجم المشكلة وابعادها.

من جانب اخر، زعم (العبادي) انه  لا توجد مشكلة في مياه الشرب بالعراق وانما في تخصيص مياه الري وان إنتاج الكهرباء في تصاعد مستمر، وعاد (الجنابي) ليقول :" إن " مياه الشرب مؤمنة ولن تشهد اي انقطاع وكذلك ارواء قرابة (600) الف دونم من المحاصيل الصيفية ونحو مليون دونم من البساتين".

وبالتزامن مع السد التركي، اكدت حكومة اقليم كردستان العراق ان ايران  غيرت مجرى نهر (الكارون) بالكامل واقامت ثلاثة سدود كبيرة على نهر (الكرخة)، بعدما كان هذان النهران يمثلان مصدرين رئيسين لمياه الإقليم والعراق ككل، كما ان تدفق المياه توقف كليا، اذ يعد الزاب الصغير احد اهم الروافد الخمسة الرئيسية لنهر دجلة،  كما سيؤثر تحويل ايران لمجرى (43) رافدا على المدن والمناطق المحيطة بالنهر الى تعجيل جفاف الإقليم، ورغم اهمية وخطورة قطع المياه من قبل ايران عن الجانب العراقي، لكننا لم نشهد اعتراضا او رفضا لما تقوم به، من قبل ساسة المنطقة الخضراء.

وبين تضارب تصريحات السفير التركي وموقف الحكومة الحالية والصور التي اظهرت انخفاض نهر دجلة على طول مجراه، بقي المواطن في حالة من الذهول مضيفا هذه الكارثة الى ما يعيشه اصلا من مشاكل نقص الكهرباء والغذاء والامن وانعدام فرص العمل، متسائلا لماذا لم تهتم الحكومة منذ عام 2006 بموضوع السد وتتخذ خطوات لمعالجة النقص المتوقع في مياه دجلة، واين تذهب ميزانيات السنوات السابقة اذا لم تنفق على هذه المفاصل المهمة، واذا لم تكن هناك ازمة اصلا في كمية المياه ولا يزال نهر دجلة يسر كالمعتاد، فمن الذي روج لصور نقصان المياه التي تعود الى سنين سابقة، وهل كان الهدف هو التغطية على التلاعب بنتائج الانتخابات، وتمريرها في خضم الحديث عن مستقبل مرعب بغياب الماء وانعدام الحياة، ام ان هناك كارثة محدقة بمستقبل العراق ولكن الحكومة تسكن في فندق يسمى العراق.

الهيئة نت

س