توجيه فقهي في زكاة الفطر للعام 1439 هـ

توجيه فقهي في زكاة الفطر للعام 1439 هـ

صادر عن قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين في العراق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذا توجيه فقهي في زكاة الفطر وما يجب على الصائمين معرفته والعمل به بشأنها:

أولًا: تسميتها: تُسمى صدقة الفطر في مصطلح الفقهاء بعدّة أسماء؛ منها: زكاة الفطر؛ وتسمى أيضا زكاة الفطرة، وتسمى زكاة الأبدان، وتسمى زكاة الرؤوس.

ثانيًا: أدلة مشروعية صدقة الفطر، أو زكاة الفطر:

والأدلة على وجوب أو فريضة صدقة الفطر، كثيرة منها مايأتي:

1- حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، أي: قبل خروج الناس إلى صلاة العيد.

2- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((كنا نخرج صدقة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب)) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن.

3 – حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين)) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم [1].

4- روى ابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن آية: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّى}ٰ[سورة الأعلى؛ الآيتان: 14 _ 15] فقال: نزلت في زكاة الفطر )).

5- الإجماع: قال الحافظ أبو بكر بن المنذر: (أجمع عوامّ أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض وممن حفظنا ذلك عنه من أهل العلم: محمد بن سيرين، وأبو العالية، والضحاك، وعطاء، ومالك، وسقيان الثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم). (الترغيب والترهيب: 2/274).

وفي ضوء هذه الأدلة فقد توارث المسلمون العمل بوجوبها والاهتمام بفرضيتها منذ عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا.

ثالثًا: حكمها: وهي واجبة بإجماع العلماء، وقال بفرضيتها جمهور الفقهاء، لذلك جاء في صحيح البخاري: (( باب فرض صدقة الفطر ورأى أبو العالية، وعطاء، وابن سيرين: صدقة الفطر فريضة))؛ وقال الحافظ المنذري: (( قال الخطابي رحمه الله في شرحه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي ذكره إن شاء الله تعالى: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم... إلخ) )) ( فيه بيان: أن صدقة الفطر فرض واجب كافتراض الزكاة الواجبة في الأموال، وفيه بيان: أن ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما فرض الله تعالى؛ لأن طاعته صادرة عن طاعة الله، وقد قال بفرضية زكاة الفطر ووجوبها عامّة اهل العلم. وقد عُلِّلَت بأنها طُهرة للصائم من الرفث واللغو: فهي واجبة على كل صائم غنيّ ذي جدة أو فقير يجدها فضلًا عن قوته إذا كان وجوبها لعلّة التطهير، وكل الصائمين محتاجون إليها، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب). (الترغيب والترهيب: 2/274).

رابعًا: على من تجب صدقة الفطر؟

تجب زكاة الفطر على كل مسلم ومسلمة حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، صائم أو مفطر، غني أو فقير؛ وذلك للأحاديث والأدلة المتقدم ذكرها، قال الأمير الصنعاني ما حاصله: وفي الأحاديث دليل على وجوبها على العبيد والأحرار، الذكور والإناث، الصغيرِ منهم والكبيرِ، والغنيِ والفقير، وقد أخرج البيهقي من حديث عبد الله بين أبي ثعلبة مرفوعًا: (أدوا صاعًا من قمح عن كل إنسان ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا أو فقيرًا أو مملوكًا، أما الغني فيزكيه الله وأما الفقير فيرد الله عليه أكثر مما أعطى) [2].

 وأغلب أهل العلم على أن هذا الوجوب إنما يشمل من يملك قوتَ يومِ العيد وليلته، وعند أبي حنيفة والجعفرية إنما تجب على من ملك نصاب الزكاة والقول الأول هو الراجح لان عمل  المسلمين به متوارث من جيل الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا.

خامسًا: الفقه المقصدي أو حكمة تشريع صدقة الفطر:

والفقه المقصدي في وجوب هذا الصدقة في نهاية رمضان فيه أمور، منها:

1- طهرة للصائم، إذ قد يقع الصائم في شهر رمضان ببعض المخالفات التي تخدش كمال الصوم، من لغو ورفث وصخب وسباب ونظر محرم، فشرع الله عز وجل هذه الصدقة لكي تصلح له ذلك الخلل الذي حصل فيه ليكون صيامًا تام الأجر ولكي يفرح به فرحا تامًا يوم القيامة، جاء في الحديث الصحيح: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوف فيهِ أطيب عند الله من ريح المسك) رواه مسلم.

2- تعميم الفرحة في يوم العيد لكل المسلمين والناس حتى لايبقى احد يوم العيد محتاجًا إلى القوت والطعام ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم))، وفي رواية ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم)) رواه البيهقي والدارقطني[3]، أي: إغناء الفقير يوم العيد عن المسألة.

3- تعدّ صدقة الفطر زكاة للنفوس والأبدان وقربة لله عز وجل عن نفس المسلم، أو زكاة لبدنه، وبعبارة أخرى: تعبير عن شكر العبد لله عز وجل على نعمة الحياة والصحة التي انعم الله عز وجل بها على عبده المسلم، لذلك شرعت على الكل بما فيهم الصغير والعبد والصائم والـمفطر ســواء أكان مفطرًا بسبب شرعي أم غير شرعي، وفي ضوء هذه المعاني المقصودة شرعًا فعلى المسلمين ولا سيما الأغنياء منهم الإهتمام بهذه الصدقة، بأن تكون من أجود ما يأكلونه، لقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران ؛ من الآية: 92] وأن لا تكون من رديء الطعام لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [سورة البقرة ؛ الآية: 267].

سادسًا: وقتها:

الوقت الذي يصح فيه إخراج صدقة الفطر ؛ هو إخراجها قبل يوم عيد الفطر بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ جاء في صحيح البخاري: (وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)، وقد روى أبو داود وابن ماجه من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ). والمراد بـ(قبل الصلاة): أي قبل صلاة العيد  ولذلك يجب الحذر من تأخيرها بعد صلاة العيد.

سابعًا: مقدارها وأنواعها:

هي صاع باتفاق المسلمين والصاع يساوي ( 2،5 كغم ) تقريبًا وهذا المقدار يؤدى من الحنطة أو التمر أو الزبيب أو الرز أو الطحين أو الشعير. ونوعية الصاع المذكور في الأحاديث آنفة الذكر مقيدة بقوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.

ويجوز إخراج قيمة ذلك نقدًا، وهذا مذهب الحسن البصري، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والجعفرية، وهو مذهبٌ مرويٌ عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما في أخذهما العروض بدل الحبوب في الزكاة.

وهذا المذهب فيه يُسر على الناس في زماننا، ومن تيسّر عليه إخراج الصاع مما ذكر أعلاه فهو أرجح دليلًا والله أعلم.

والمبلغ الذي يُدفع بدلًا عنها في هذا العام نقدًا ما لايقل عن:

ـ(1500) دينار عراقي لمن كان فقير الحال.

ـ (2500) دينار عراقي لمن كان متوسط الحال.

ـ (3500) دينار عراقي لمن كان ميسور الحال.

وترتيب مقدار هذه المبالغ والتي سيأتي ذكرها في فدية الصيام في ضوء أحوال الناس المعاشية؛ مستند إلى فقه قول الله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.

ومن زاد على ذلك فهو خير، وعلى الأغنياء أن يدفعوا أكثر من المبلغ المذكور آخذين بنظر الاعتبار قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المزمل ؛ من الآية: 20].

ثامنًا: مصرفها:

 تصرف صدقة الفطر في مصارف الزكاة نفسها التي ذُكِرَت في الآية (60) من سورة التوبة، من الفقراء والمساكين وفي سبيل الله – الجهاد - والأرامل والأيتام وغيرهم من أهل العوز والحاجة، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

وعلى الفقراء أن يؤدوا هذه الصدقة من الذي يأتيهم من الأغنياء وأن يعطي بعضهم بعضًا، فالفقير يعوضه الله أكثر مما يعطي، وقد تقدّم ذكر ذلك في حديث: (( وأما الفقير فيرد الله عليه أكثر مما أَعطَى))، ومن تعذّر عليه فعل ذلك فليؤدِّ ما يستطيعه، (فالميسور لا يسقط بالمعسور)، ومن عجز عن كل ذلك فهو معذور؛ لقوله تعالى:

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}[سورة الطلاق؛ الآية: 7].

تاسعًا: في فدية الصيام:

من أفطر شهر رمضان أو بعضًا من أيامه بسبب مرض مزمن أو كان لايستطيع الصيام بسبب علة مزمنة أو كبر سن كالشيخ الفاني والعجوز؛ فإنه يَدفع عن كل يوم طعام مسكين؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رُخِّصَ للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني والحاكم وصححاه.

أو قيمة ذلك نقدًا، والمبلغ البديل في هذا العام هو:

ـ (1000) دينار عراقي لمن كان فقير الحال.

ـ (2000) دينار عراقي لمن كان متوسط الحال.

ـ (2500) دينار عراقي لمن كان ميسور الحال.

وترتيب مقدار المبالغ هذه في ضوء أحوال الناس المعاشية مستند إلى فقه قول الله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}[سورة المائدة ؛ من الآية: 89]

عاشرًا: وقت إخراج فدية الصوم:

ووقت إخراج فدية الصوم يكون بعد أن يستقرّ وجوب الصوم في ذمة المفطر ثم عجز عنه، ويكون ذلك عادةً في نهاية شهر رمضان، وحينئذ على المفطر أن يبري ذمته من هذا الحق الشرعي الذي صار في ذمته، وذلك بدفع فديته طعامًا أو نقدًا، وعليه الوفاء بذلك في وقته، بأن يتصدق بفديته كل يوم في يومه أو يتصدق بها جميعًا في نهاية شهر رمضان.

وأداء فدية الصوم يُعد عبادة في حق المعذور؛ فعليه مراعاة ذلك في وقته وهو شهر رمضان، وليحذر من إخراجها قبل نهاية رمضان لأنها عبادة وُقِّتَت بظرف إفطار شهر رمضان ؛ ولأن إخراجها قبل نهاية الشهر قد يُصَيِّرُها صدقة لا فدية عن الصوم، لذلك اقتضى التنبيه على هذه الجزئية، وبالله التوفيق.

نسأل الله تعالى أن يتقبل صيام وقيام المسلمين جميعًا وأن يجعلنا من عتقاء شهر رمضان الكريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

قسم الفتوى

في هيئة علماء المسلمين في العراق

21/رمضان/1439هـ

6/ 6/ 2018مـ

 

ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ

[1] قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. (المستدرك على الصحيحين: 1/568).

[2] قال المنذري في مختصر السنة: في إسناده النعمان بن راشد لايحتج بحديثه (سبل السلام 2/300).

[3] في إسناده أَبو مَعْشَرٍ ؛ قال البيهقي: أَبو مَعْشَرٍ هذا نَجيحٌ السِّندِيّ الْمدِينِيّ، غيرُه أَوثقُ منه. (السنن الكبرى للبيهقي: 4/292).