الله لا يحب المفسدين ... جمال الجمل

إذا أردت تلخيص الأزمة التي نعيشها في كلمة واحدة، فقل وأنت مطمئن: «الفساد».

إنه مصيبة المصائب.. مقدمة الأزمات وعاقبتها، سببها ونتيجتها، ولأن السمكة تفسد من رأسها، فقد أدى فساد السلطة، إلى إفساد جزء كبير من جسد المجتمع، وتشويه العلاقات بين الناس.

صحيح أن فساد الحاكم، والقوي، والغني، والمشهور، أشد بطشا وتأثيرا من فساد الضعفاء المطحونين، لكن الفساد هو الفساد، وهو حسب معاجم اللغة: خروج الشيء عن الاعتدال في النفس والبدن، فالمفسدة عكس المصلحة، و«تفاسد القوم» أي: تقاطعوا الأرحام، كما يشمل معنى الفساد: أخذ المال ظلماً، وقد وردت كلمة الفساد ومشتقاتها 50 مرة في القرآن الكريم، واتسع معناها ليشمل الفساد العقائدي، والسلوكي، والأمني، والمالي، بالإضافة إلى بطش الحكام.

في معظم الآيات ارتبط مصطلح الفساد بكلمة الأرض، فقد ورد الفساد بمعنى الكفر واختلال العلاقة مع الله سبحانه وتعالى في 10 آيات فقط، بينما الفساد في الأرض ورد في 40 آية من الخمسين، حذرت من ترويع الناس وتهديد الحياة الآمنة وقطع الطريق، كما حذرت من كل أنواع الإيذاء والاعتداء وسفك الدماء وإزهاق الأرواح ونهب الأموال.

عظمة القرآن كدستور دنيوي تبدو في توسيعه لتعريف الفساد بحيث لا يقف عند حدود المعاصي الدينية وانحراف العقيدة، (مع أنه اعتبر هذا النوع من الفساد هو أساس كل فساد)، لكن القرآن أفاض في التحذير من الفساد الأمني والاجتماعي، والاقتصادي، حيث نهى صراحة عن التخريب والدمار: «وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد»، كما نهى عن الغش والسرقة: (ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين)، وشدد على الأمانة في البيع، والصدق في العقود، والالتزام بشروط المعاملات الاقتصادية من بيع وشراء وتأجير وكافة أنواع المعاملات المالية (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين).

واعتبر الخروج عن الامانة طريقا إلى زعزعة الروابط الاجتماعية وتفكك المجتمع، وتهديد الاستقرار، وذلك أسوأ صور الفساد في الأرض، كما تناول القرآن الكريم الفساد الأخلاقي، وحذر من النميمة وخدش الأعراض وانتهاك الحرمات، ولم يترك القرآن حتى مفهوم حماية البيئة التي يهتم به حديثا الناشطون الأجانب لحماية الأرض من اختلال التوازن البيئي وارتباك الدورات الطبيعية لكل العناصر الأساسية في الحياة.

لم يترك القرآن أولئك المفسدين الذين يخدعون الآخرين ويخدعون أنفسهم، فيمارسون الفساد عملا، ويبررونه قولا، حيث يقدم اللصوص أنفسهم كمدافعين عن الفضيلة والشرف، ويبرر المعتدي أفعاله بأنها لحماية الناس وتأمينهم، وفي ذلك يقول رب العزة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُون)، ويقول جل جلاله: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون).

تضمن القرآن آيات كريمة تظهر أن الله يكره الفساد والمفسدين: (إن الله لا يحب المفسدين).. (والله لا يحب الفساد).. (والله لا يحب المفسدين)، لذلك توعدهم بالخسران وسوء العاقبة، وقال سبحانه وتعالى: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين)، مشدداً على المؤمن بضرورة التصدي لكل فاسد يمس الأساسيات الخمسة لحياته: «النفس، المال، العرض، العقل، الدين»، فقد جعل الله من واجبات الفرد الصالح أن يواجه الفساد والمفسدين (فلولا كان من القرون من قبلكم أُولُو بقيةٍ يَنهون عن الفساد في الأرض..).

فلا تتهاونوا مع الفساد، ولا تتعاونوا مع الفاسدين.. أعزكم الله